ابن أبي الحديد

56

شرح نهج البلاغة

مال الله على عباده ، ولكني أشهد لسمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : ( إذا بلغ بنو أبى العاص ثلاثين رجلا جعلوا مال الله دولا ، وعباد الله خولا ، ودين الله دخلا ) ، فقال عثمان لمن حضره : أسمعتموها من نبي الله ؟ فقالوا : ما سمعناه ، فقال عثمان : ويلك يا أبا ذر ! أتكذب على رسول الله ! فقال أبو ذر لمن حضر : أما تظنون أنى صدقت ! قالوا : لا والله ما ندري ، فقال عثمان : ادعوا لي عليا ، فدعى ، فلما جاء قال عثمان لأبي ذر : أقصص عليه حديثك في بنى أبى العاص ، فحدثه ، فقال عثمان لعلى : هل سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه ؟ فقال علي عليه السلام : لا ، وقد صدق أبو ذر ، قال عثمان : بم ( 1 ) عرفت صدقه ؟ قال : لأني سمعت رسول الله صلى الله عليه يقول : ( ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر ) ، فقال جميع من حضر من أصحاب النبي صلى الله عليه : لقد صدق أبو ذر ، فقال أبو ذر : أحدثكم أنى سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه ثم تتهمونني ! ما كنت أظن أنى أعيش حتى أسمع هذا من أصحاب محمد صلى الله عليه ! وروى الواقدي في خبر آخر بإسناده عن صهبان مولى الأسلميين ، قال : رأيت أبا ذر يوم دخل به على عثمان ، فقال له : أنت الذي فعلت وفعلت ! فقال له أبو ذر : نصحتك فاستغششتني ، ونصحت صاحبك فاستغشني ، فقال عثمان : كذبت ، ولكنك تريد الفتنة وتحبها ، قد أنغلت ( 2 ) الشام علينا ، فقال له أبو ذر : اتبع سنة صاحبيك ، لا يكن لأحد عليك كلام ، قال عثمان : ما لك وذلك لا أم لك ! قال أبو ذر : والله ما وجدت لي عذرا إلا الامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فغضب عثمان وقال : أشيروا على في هذا الشيخ الكذاب ، إما أن أضربه أو أحبسه أو أقتله ، فإنه قد فرق جماعة المسلمين ، أو أنفيه من أرض الاسلام . فتكلم علي عليه السلام - وكان حاضرا - وقال : أشير عليك

--> ( 1 ) الشافي : ( كيف ) . ( 2 ) أنغلت الشام : أي أفسدت أهله ، وأصله في الأديم ، يقال : أنغل الأديم ، إذا أفسده في الدباغ . وفى الشافي : ( قلبت ) .