ابن أبي الحديد
5
شرح نهج البلاغة
قال : فأما قوله : إنه معلوم من حال هذه الاحداث أنها لم تحصل أجمع في الأيام التي حصر فيها وقتل ، بل كانت تقع حالا بعد حال ، فلو كانت توجب الخلع والبراءة ، لما تأخر من المسلمين الانكار عليه ، ولكان المقيمون من الصحابة بالمدينة أولى بذلك من الواردين من البلاد ، فلا شك أن الاحداث لم تحصل في وقت واحد ، إلا أنه غير منكر أن يكون نكيرهم إنما تأخر لأنهم تأولوا ما ورد عليهم من أفعاله على أجمل الوجوه ، حتى زاد الامر وتفاقم ، وبعد التأويل ، وتعذر التخريج ، ولم يبق للظن الجميل طريق ، فحينئذ أنكروا ، وهذا مستمر على ما قدمنا ذكره ، من أن العدالة والطريقة الجميلة يتأول لها في الفعل والأفعال القليلة ، بحسب ما تقدم من حسن الظن به ، ثم ينتهى الامر [ بعد ذلك ] ( 1 ) إلى بعد التأويل ، والعمل على الظاهر القبيح . قال : على أن الوجه الصحيح في هذا الباب أن أهل الحق كانوا معتقدين بخلعه من أول حدث ، بل معتقدين أن إمامته لم تثبت وقتا من الأوقات ، وإنما منعهم من إظهار ما في نفوسهم ما قدمناه من أسباب الخوف والتقية ، لان الاعتذار بالوجل ( 2 ) كان عاما ، فلما تبين أمره حالا بعد حال ، وأعرضت الوجوه عنه ، وقل العاذر له ، قويت الكلمة في خلعه . وهذا إنما كان في آخر الامر دون أوله ، فليس يقتضى الامساك عنه إلى الوقت الذي وقع الكلام فيه نسبة الخطأ إلى الجميع ، على ما ظنه . قال : فأما دفعه بأن تكون الأمة أجمعت على خلعه بخروجه ( 3 ) نفسه وخروج من كان في حيزه عن القوم ، فليس بشئ ، لأنه إذا ثبت أمن عداه وعدا عبيده والرهيط من فجار أهله وفساقهم ، كمروان ومن جرى مجراه ، كانوا مجمعين على خلعه ، فلا شبهة
--> ( 1 ) من كتاب الشافي . ( 2 ) كذا في ج ، وفي حاشيتها : ( يعنى أكثر الناس يعتذرون بالخوف ) ، وفى ا ، ب : ( لان الاعذار بالرجل ) ، وفي الشافي : ( لان الاغترار بالرجل ) . ( 3 ) ب : ( بإخراجه ) .