ابن أبي الحديد

23

شرح نهج البلاغة

فعل النصيح المشفق الحدب المتحنن ، ولو كان عليه السلام - وحوشي من ذلك - متهما عليه لما كان للتهمة عليه مجال في أمر الكتاب خاصة ، لان الكتاب بخط عدوه مروان ( 1 ) ، وفي يد غلام عثمان ، ومحمول على بعيره ، ومختوم بخاتمه ، فأي ظن تعلق بأمير المؤمنين عليه السلام في هذا المكان ، لولا العداوة وقلة الشكر للنعمة ! ولقد قال له المصريون لما جحد أن يكون الكتاب كتابه شيئا لا زيادة عليه في باب الحجة ، لأنهم قالوا له : إذا كنت ما كتبت ولا أمرت به ، فأنت ضعيف ، من حيث تم عليك أن يكتب كاتبك بما تختمه بخاتمك ، وينفذه بيد غلامك وعلى بعيرك بغير أمرك ، ومن تم عليه ذلك لا يصلح أن يكون واليا على أمور المسلمين . فاختلع عن الخلافة على كل حال . قال : ولقد كان يجب على صاحب ، ، المغني ، ، أن يستحيى من قوله : إن أمير المؤمنين عليه السلام قبل عذره ، وكيف يقبل عذر من يتهمه ويستغشه ، وهو له ناصح ! وما قاله أمير المؤمنين عليه السلام بعد سماع هذا القول منه معروف . وقوله : إن الكتاب يجوز فيه التزوير ، ليس بشئ ، لأنه لا يجوز التزوير في الكتاب والغلام والبعير ، وهذه الأمور إذا انضاف بعضها إلى بعض ، بعد فيها التزوير ، وقد كان يجب على كل حال أن يبحث عن القصة وعمن زور الكتاب ، وأنفذ الرسول ، ولا ينام عن ذلك ، حتى يعرف من أين دهى ، وكيف تمت الحيلة عليه ، فيحترز من مثلها ، ولا يغضي عن ذلك إغضاء ساتر له ، خائف من بحثه وكشفه . فأما قوله : إنه وإن غلب على الظن أن مروان كتب الكتاب ، فإن الحكم بالظن لا يجوز ، وتسليمه إلى القوم على ما سألوه إياه ظلم ، لان الحد والأدب إذا وجب عليه ، فالامام يقيمه دونهم ، فتعلل بما لا يجدي ، لأنا لا نعمل إلا على قوله في أنه لم يعلم أن

--> ( 1 ) الشافي : ( بخط عدو الله وعدو رسوله وعدو أمير المؤمنين .