ابن أبي الحديد
24
شرح نهج البلاغة
مروان هو الذي كتب الكتاب ، وإنما غلب على ظنه ، أما كان يستحق مروان بهذا الظن بعض التعنيف والزجر والتهديد ! أو ما كان يجب مع وقوع التهمه عليه ، وقوة الامارات في أنه جالب الفتنة وسبب الفرقة أن يبعده عنه ، ويطرده من داره ويسلبه ما كان يخصه به من إكرامه ! وما في هذه الأمور أظهر من أن ينبه له . فأما قوله : إن الامر بالقتل لا يوجب قودا ولا دية سيما قبل وقوع القتل المأمور به ، فهب أن ذلك على ما قال ، أما أوجب ( 1 ) الله تعالى على الامر بقتل المسلمين تأديبا ولا تعزيرا ولا طردا ولا إبعادا ! وقوله : لم يثبت ذلك ، قد مضى ما فيه ، وبين أنه لم يستعمل فيه ما يجب استعماله من البحث والكشف ، وتهديد المتهم وطرده وإبعاده والتبرؤ من التهمة بما يتبرأ به من مثلها . فأما قوله : إن قتله ظلم وكذلك حبسه في الدار ، ومنعه من الماء ، وأنه لو استحق القتل أو الخلع لا يحل أن يمنع الطعام والشراب ، وقوله : إن من لم يدفع عن ذلك من الصحابة يجب أن يكون مخطئا ، وقوله : إن قتله لو وجب لم يجز أن يتولاه العوام من الناس ، فباطل ، لان الذين قتلوه غير منكر أن يكونوا تعمدوا قتله ، وإنما طالبوه بأن يخلع نفسه لما ظهر لهم من إحداثه ، ويعتزل عن ( 2 ) الامر اعتزالا يتمكنون معه من إقامة غيره ، فلج وصمم على الامتناع ، وأقام على أمر واحد ، فقصد القوم بحصره أن يلجئوه إلى خلع نفسه ، فاعتصم بداره ، واجتمع إليه نفر من أوباش بنى أمية ، يدفعون عنه ، ويرمون من دنا إلى الدار فانتهى الامر إلى القتال بتدريج ، ثم إلى القتل ، ولم يكن القتال ولا القتل مقصودين في الأصل ، وإنما أفضى الامر إليهما على ترتيب ، وجرى ذلك مجرى
--> ( 1 ) الشافي : ( يوجب ) ( 2 ) ج والشافي : ( يعتزل الامر ) .