ابن أبي الحديد
19
شرح نهج البلاغة
وذلك أنه صلى الله عليه وآله قد أوجب قطع السارق وضرب القاذف ، وجلد البكر إذا زنى ، وإن كان من المهاجرين أو الأنصار ، ألا ترى إنه قال : لو سرقت فاطمة لقطعتها ، فهذه ابنته ، الجارية مجرى نفسه ، لم يحابها في دين الله ، ولا راقبها في حدود الله ، وقد جلد أصحاب الإفك ، ومنهم مسطح بن أثاثة ، وكان من أهل بدر . قال : وبعد ، فلو كان محل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله محل من لا يعادي إذا عصى الله سبحانه ولا يذكر بالقبيح ، بل يجب أن يراقب لأجل اسم الصحبة ، ويغضي عن عيوبه وذنوبه ، لكان كذلك صاحب موسى المسطور ثناؤه في القرآن لما اتبع هواه ، فانسلخ مما أوتى من الآيات وغوى ، قال سبحانه : ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فاتبعه الشيطان فكان من الغاوين ) ( 1 ) ، ولكان ينبغي أن يكون محل عبدة العجل من أصحاب موسى هذا المحل ، لان هؤلاء كلهم قد صحبوا رسولا جليلا من رسل الله سبحانه . قال : ولو كانت الصحابة عند أنفسها بهذه المنزلة ، لعلمت ذلك من حال أنفسها ، لأنهم أعرف بمحلهم من عوام أهل دهرنا ، وإذا قدرت أفعال بعضهم ببعض دلتك على إن القصة كانت على خلاف ما قد سبق إلى قلوب الناس اليوم ، هذا على وعمار ، وأبو الهيثم بن التيهان ، وخزيمة بن ثابت ، وجميع من كان مع علي عليه السلام من المهاجرين والأنصار ، لم يروا أن يتغافلوا عن طلحة والزبير حتى فعلوا بهما وبمن معهما ما يفعل بالشراة في عصرنا ، وهذا طلحة والزبير وعائشة ومن كان معهم وفي جانبهم لم يروا أن يمسكوا عن علي ، حتى قصدوا له كما يقصد للمتغلبين في زماننا ، وهذا معاوية وعمرو لم يريا
--> ( 1 ) سورة الأعراف 175 .