ابن أبي الحديد

118

شرح نهج البلاغة

صاعقة يتبعها أخرى ، فقتلت من أصحاب الحجاج اثنى عشر رجلا ، فأنكر أهل الشام ، فقال الحجاج : يا أهل الشام ، لا تنكروا هذا ، فإني ابن تهامة ، هذه صواعق تهامة هذا الفتح قد حضر فأبشروا ، فإن القوم يصيبهم مثل ما أصابكم ، فصعقت من الغد فأصيب من أصحاب ابن الزبير عدة ما أصاب الحجاج ، فقال الحجاج : ألا ترون إنهم يصابون وأنتم على الطاعة ، وهم على خلاف الطاعة ! فلم تزل الحرب بين ابن الزبير والحجاج حتى تفرق عامة أصحاب ابن الزبير عنه ، وخرج عامة أهل مكة إلى الحجاج في الأمان . قال : وروى إسحاق بن عبيد الله ، عن المنذر بن الجهم الأسلمي ، قال : رأيت ابن الزبير ، وقد خذله من معه خذلانا شديدا ، وجعلوا يخرجون إلى الحجاج ، خرج إليه منهم نحو عشرة آلاف ، وذكر إنه كان ممن فارقه ، وخرج إلى الحجاج ابناه : خبيب وحمزة ، فأخذا من الحجاج لأنفسهما أمانا . قال أبو جعفر : فروى محمد بن عمر ، عن ابن أبي الزناد ، عن مخرمة بن سلمان الوالبي ، قال : دخل عبد الله بن الزبير على أمه حين رأى من الناس ما رأى من خذلانه فقال : يا أمه ، خذلني الناس حتى ولدى وأهلي ، ولم يبق معي إلا اليسير ممن ليس عنده من الدفع أكثر من صبر ساعة ، والقوم يعطونني ما أردت من الدنيا ، فما رأيك ؟ فقالت : أنت يا بنى أعلم بنفسك ، إن كنت تعلم إنك على حق وإليه تدعو فامض له ، فقد قتل عليه أصحابك ، ولا تمكن من رقبتك يتلعب بك غلمان بنى أمية ، وإن كنت إنما أردت الدنيا فبئس العبد أنت ، أهلكت نفسك وأهلكت من قتل معك ، وإن قلت قد كنت على حق فلما وهن أصحابي وهنت وضعفت ، فليس هذا فعل الأحرار ولا أهل