ابن أبي الحديد

119

شرح نهج البلاغة

الدين ، وكم خلودك في الدنيا ، القتل أحسن ، فدنا ابن الزبير فقبل رأسها ، وقال : هذا والله رأيي الذي قمت به داعيا إلى يومى هذا ، وما ركنت إلى الدنيا ، ولا أحببت الحياة فيها ، ولم يدعني إلى الخروج إلا الغضب لله أن تستحل محارمه ( 1 ) ، ولكني أحببت أن أعلم رأيك ، فزدتني بصيرة مع بصيرتي ، فانظري يا أمه ، فإني مقتول من يومى هذا ، فلا يشتد حزنك ، وسلمى لأمر الله ، فإن ابنك لم يتعمد إتيان منكر ، ولا عملا بفاحشة ، ولم يجر في حكم ، ولم يغدر في أمان ، ولم يتعمد ظلم مسلم ولا معاهد ، ولم يبلغني ظلم عن عمالي فرضيت به بل أنكرته ، ولم يكن شئ آثر عندي من رضا ربى . اللهم إني لا أقول هذا تزكية منى لنفسي ، أنت أعلم بي ، ولكنني أقوله تعزية لأمي لتسلو عنى . فقالت أمه : إني لأرجو من الله أن يكون عزائي فيك حسنا أن تقدمتني ، فلا أخرج من الدنيا حتى أنظر إلى ما يصير أمرك ، فقال : جزاك الله يا أمه خيرا ! فلا تدعى الدعاء لي قبل وبعد ، قالت : لا أدعه أبدا ، فمن قتل على باطل فقد قتلت على حق . ثم قالت : اللهم ارحم طول ذلك القيام في الليل الطويل ، وذلك النحيب والظما في هواجر المدينة ومكة ، وبره بأبيه وبي ، اللهم إني قد سلمته لأمرك فيه ، ورضيت بما قضيت ، فأثبني في عبد الله ثواب الصابرين الشاكرين . قال أبو جعفر : وروى محمد بن عمر ، عن موسى بن يعقوب بن عبد الله ، عن عمه ، قال : دخل ابن الزبير على أمه وعليه الدرع والمغفر ، فوقف فسلم ، ثم دنا فتناول يدها فقبلها ، فقالت هذا وداع فلا تبعد ، فقال : نعم ، إني جئت مودعا ، إني لأرى إن هذا اليوم آخر يوم من الدنيا يمر بي ، واعلمي يا أمه إني إن قتلت فإنما أنا لحم لا يضره ما صنع به ، فقالت صدقت يا بنى ، أتمم على بصيرتك ، ولا تمكن ابن

--> ( 1 ) الطبري : ( أن يستحل حرمه ) .