ابن أبي الحديد
89
شرح نهج البلاغة
وذكر أن القائم إليه ، العارض نفسه عليه جندب بن عفيف الأزدي ، هو وابن أخ له يقال له : عبد الرحمن بن عبد الله بن عفيف . قال : ثم أمر الحارث الأعور الهمداني ، فنادى في الناس : أين من يشتري نفسه لربه ويبيع دنياه بآخرته ؟ أصبحوا غدا بالرحبة إن شاء الله ، ولا يحضر إلا صادق النية في السير معنا ، والجهاد لعدونا . فأصبح وليس بالرحبة إلا دون ثلاثمائة ، فلما عرضهم قال : لو كانوا ألفا كان لي فيهم رأي . وأتاه قوم يعتذرون ، فقال : " وجاء المعذرون " ( 1 ) ، وتخلف المكذبون ، ومكث أياما باديا حزنه شديد الكآبة ، ثم جمع الناس فخطبهم فقال : أما بعد أيها الناس ، فوالله لأهل مصركم في الأمصار أكثر من الأنصار في العرب ، وما كانوا يوم أعطوا رسول الله ص أن يمنعوه ومن معه من المهاجرين حتى يبلغ رسالات ربه إلا قبيلتين ، قريبا مولدهما ، ما هما بأقدم العرب ميلادا ، ولا بأكثرهم عددا . فلما آووا النبي ص وأصحابه ، ونصروا الله ودينه ، رمتهم العرب عن قوس واحدة ، فتحالفت عليهم اليهود ، وغزتهم القبائل قبيلة بعد قبيلة ، فتجردوا لنصرة دين الله ، وقطعوا ما بينهم وبين العرب من الحبائل ، وما بينهم وبين اليهود من الحلف ، ونصبوا لأهل نجد وتهامة وأهل مكة واليمامة ، وأهل الحزن والسهل ، وأقاموا قناة الدين ، وصبروا تحت حماس الجلاد ، حتى دانت لرسول الله ص العرب ، ورأي منهم قرة العين قبل أن يقبضه الله عز وجل إليه ، وأنتم اليوم في الناس أكثر من أولئك ذلك الزمان في العرب . فقام إليه رجل آدم طوال ، فقال : ما أنت بمحمد ، ولا نحن بأولئك الذين
--> ( 1 ) سورة التوبة .