ابن أبي الحديد
88
شرح نهج البلاغة
قال إبراهيم : وقدم ( 1 ) علج من أهل الأنبار على علي ع ، فأخبره الخبر ، فصعد المنبر فخطب الناس ، وقال : إن أخاكم البكري قد أصيب بالأنبار ، وهو معتز لا يخاف ما كان ، واختار ما عند الله على الدنيا ، فانتدبوا إليهم حتى تلاقوهم ، فإن أصبتم منهم طرفا أنكلتموهم عن العراق أبدا ما بقوا . ثم سكت عنهم رجاء أن يجيبوه أو يتكلم منهم متكلم ، فلم ينبس أحد منهم بكلمة ، فلما رأى صمتهم نزل ، وخرج يمشي راجلا حتى أتى النخيلة ، والناس يمشون خلفه حتى أحاط به قوم من أشرافهم ، فقالوا : ارجع يا أمير المؤمنين ونحن نكفيك ، فقال : ما تكفونني ولا تكفون أنفسكم . فلم يزالوا به حتى صرفوه إلى منزله ، فرجع وهو واجم كئيب ، ودعا سعيد بن قيس الهمداني ، فبعثه من النخيلة في ثمانية آلاف ، وذلك أنه أخبر أن القوم جاءوا في جمع كثيف . فخرج سعيد بن قيس على شاطئ الفرات في طلب سفيان بن عوف ، حتى إذا بلغ عانات ( 2 ) ، سرح أمامه هانئ بن الخطاب الهمداني ، فاتبع آثارهم حتى دخل أداني أرض قنسرين وقد فاتوه ، فانصرف . قال : ولبث علي ع ترى فيه الكآبة والحزن حتى قدم عليه سعيد بن قيس ، وكان تلك الأيام عليلا ، فلم يقو على القيام في الناس بما يريده من القول ، فجلس بباب السدة التي تصل إلى المسجد ، ومعه إبناه حسن وحسين ع ، وعبد الله بن جعفر ، ودعا سعدا مولاه ، فدفع إليه الكتاب ، وأمره أن يقرأه على الناس ، فقام سعد بحيث يستمع علي ع صوته ، ويسمع ما يرد الناس عليه ، ثم قرأ هذه الخطبة التي نحن في شرحها . * * *
--> ( 1 ) العلج : الرجل من كفار العجم . ( 2 ) عانات : بلد بين الرقة وهيت قريبة من الأنبار .