ابن أبي الحديد

87

شرح نهج البلاغة

وأتبعتهم الخيل ، فلما حملت عليهم الخيل وأمامها الرجال تمشي ، لم يكن شئ حتى تفرقوا وقتل صاحبهم في نحو من ثلاثين رجلا ، وحملنا ما كان في الأنبار من الأموال ، ثم انصرفت ، فوالله ما غزوت غزاة كانت أسلم ولا أقر للعيون ، ولا أسر للنفوس منها . وبلغني والله أنها أرعبت الناس ، فلما عدت إلى معاوية ، حدثته الحديث على وجهه ، فقال : كنت عند ظني بك ، لا تنزل في بلد من بلداني إلا قضيت فيه مثل ما يقضي فيه أميره ، وإن أحببت توليته وليتك ، وليس لأحد من خلق الله عليك أمر دوني . قال : فوالله ما لبثنا إلا يسيرا ، حتى رأيت رجال أهل العراق يأتوننا على الإبل هرابا من عسكر علي ع . قال إبراهيم : كان اسم عامل علي ع على مسلحة الأنبار أشرس بن حسان البكري . * * * وروى إبراهيم عن عبد الله بن قيس ، عن حبيب بن عفيف ، قال كنت مع أشرس بن حسان البكري بالأنبار على مسلحتها ، إذ صبحنا سفيان بن عوف في كتائب تلمع الابصار منها ، فهالونا والله ، وعلمنا إذ رأيناهم أنه ليس لنا طاقة بهم ولا يد ، فخرج إليهم صاحبنا وقد تفرقنا فلم يلقهم نصفنا ، وأيم الله لقد قاتلناهم فأحسنا قتالهم ، حتى كرهونا ، ثم نزل صاحبنا وهو يتلو قوله تعالى : " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " ( 1 ) . ثم قال لنا : من كان لا يريد لقاء الله ، ولا يطيب نفسا بالموت ، فليخرج عن القرية ما دمنا نقاتلهم ، فإن قتالنا إياهم شاغل لهم عن طلب هارب ، ومن أراد ما عند الله فما عند الله خير للأبرار . ثم نزل في ثلاثين رجلا ، فهممت بالنزول معه ، ثم أبت نفسي واستقدم هو وأصحابه ، فقاتلوا حتى قتلوا رحمهم الله ، وانصرفنا نحن منهزمين .

--> ( 1 ) سورة الأحزاب 23 .