ابن أبي الحديد
84
شرح نهج البلاغة
" ألا وإن الجهاد كنز وفر الله منه أقسامكم ، وحرز طهر الله به أجسامكم ، وعز أظهر الله به إسلامكم ، فإن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم ، فانفروا رحمكم الله جميعا وثبات ( 1 ) ، وشنوا على أعدائكم الغارات ، وتمسكوا بعصم الاقدام ومعاقل الثبات ، وأخلصوا في جهاد عدوكم حقائق النيات ، فإنه والله ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا ، ولا قعدوا عن صون ديارهم إلا اضمحلوا . واعلموا أنه لا يصلح الجهاد بغير اجتهاد ، كما لا يصلح السفر بغير زاد ، فقدموا مجاهدة القلوب ، قبل مشاهدة الحروب ، ومغالبة الأهواء قبل محاربة الأعداء ، وبادروا بإصلاح السرائر ، فإنها من أنفس العدد والذخائر ، واعتاضوا من حياة لا بد من فنائها ، بالحياة التي لا ريب في بقائها ، وكونوا ممن أطاع الله وشمر في مرضاته ، وسابقوا بالجهاد إلى تملك جناته ، فإن للجنة بابا حدوده تطهير الأعمال ، وتشييده إنفاق الأموال ، وساحته زحف الرجال ، وطريقه غمغمة الابطال ، ومفتاحه الثبات في معترك القتال ، ومدخله من مشرعة الصوارم والنبال " . فلينظر الناظر في هذا الكلام ، فإنه وإن كان قد أخذ من صناعة البديع بنصيب ، إلا أنه في حضيض الأرض وكلام أمير المؤمنين ع في أوج السماء ، فإنه لا ينكر لزومه فيه لما لا يلزمه اقتدارا وقوة وكتابة ، نحو قوله : " كنز " فإن بإزاء " حرز " و " عز " ، وقوله : " مشاهدة " بإزاء قوله : " مجاهدة " ، و " مغالبة " بإزاء " محاربة " ، و " حدوده " بإزاء " تشييده " ، لكن مثله بالقياس إلى كلام أمير المؤمنين ع كدار مبنية من اللبن والطين ، مموهة الجدران بالنقوش والتصاوير ، مزخرفة بالذهب من فوق الجص والإسفيداج ( 2 ) ، بالقياس إلى دار مبنية بالصخر الأصم الصلد ، المسبوك بينه عمد الرصاص والنحاس المذاب ، وهي مكشوفة غير مموهة ولا مزخرفة . فإن بين هاتين الدارين بونا بعيدا ، وفرقا عظيما . وانظر قوله : " ما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا " ، كيف تصيح من بين الخطبة صياحا ، وتنادي على نفسها نداء فصيحا ، وتعلم سامعها أنها ليست من المعدن
--> ( 1 ) ثبات : جماعة بعد جماعة . ( 2 ) الاسفيداج : رماد الرصاص .