ابن أبي الحديد

85

شرح نهج البلاغة

الذي خرج باقي الكلام منه ، ولا من الخاطر الذي صدر ذلك السجع عنه ، ولعمر الله ، لقد جملت الخطبة وحسنتها وزانتها ، وما مثلها فيها إلا كآية من الكتاب العزيز يتمثل بها في رسالة أو خطبة ، فإنها تكون كاللؤلؤة المضيئة تزهر وتنير ، وتقوم بنفسها ، وتكتسي الرسالة بها رونقا ، وتكتسب بها ديباجة . وإذا أردت تحقيق ذلك ، فانظر إلى السجعة الثانية التي تكلفها ليوازنها بها ، وهي قوله : " ولا قعدوا عن صون ديارهم إلا اضمحلوا " ، فإنك إذا نظرت إليها وجدت عليها من التكلف والغثاثة ما يقوي عندك صدق ما قلته لك . على أن في كلام ابن نباتة في هذا الفصل ما ليس بجيد ، وهو قوله : " وحرز طهر الله به أجسامكم " فإنه لا يقال في الحرز إنه يطهر الأجسام ، ولو قال عوض " طهر " : حصن الله به أجسامكم ، لكان أليق ، لكنه أراد أن يقول : " طهر " ليكون بإزاء " وفر " وبإزاء " أظهر " ، فأداه حب التقابل إلى ما ليس بجيد . ( غارة سفيان بن عوف الغامدي على الأنبار ) فأما أخو غامد الذي وردت خيله الأنبار ، فهو سفيان بن عوف بن المغفل الغامدي وغامد قبيلة من اليمن ، وهي من الأزد ، أزد شنوءة ، واسم غامد عمر بن عبد الله بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن نصر بن الأزد . وسمى غامدا لأنه كان بين قومه شر فأصلحه وتغمدهم بذلك . روى إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال الثقفي ( 1 ) في كتاب " الغارات " عن أبي الكنود ، قال : حدثني سفيان بن عوف الغامدي ، قال : دعاني معاوية ، فقال : إني باعثك في جيش كثيف ، ذي أداة وجلادة ، فالزم لي جانب الفرات ، حتى تمر بهيت ( 2 )

--> ( 1 ) إبراهيم بن محمد بن سعيد بن هلال بن عاصم بن سعد الثقفي ، من علماء أصبهان ، ذكره أبو نعيم في تاريخه وقال : كان غاليا في الرفض ، مات سنة 280 . لسان الميزان 1 : 102 . ( 2 ) هيت : بلد على الفرات فوق الأنبار .