ابن أبي الحديد
40
شرح نهج البلاغة
حتى يقتل ، وليس بمقتول حتى يقتل معه أهله وطائفة من عشيرته ، ولا يضركم تركه ، إنما هو رجل واحد ، فتركوه . وجاءت أسلم فبايعت ، فقوى بهم جانب لابن أبي بكر ، وبايعه الناس . وفي كتب غريب الحديث في تتمة كلام عمر : فأيما رجل بايع رجلا بغير مشورة من الناس فلا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا ( 1 ) قالوا : غرر تغريرا وتغرة ، كما قالوا : حلل تحليلا وتحلة ، وعلل تعليلا وتعلة وانتصب ( تغرة ) هاهنا لأنه مفعول له ، ومعنى لكلام أنه إذا بايع واحد لآخر بغتة عن غير شورى ، فلا يؤمر واحد منهما ، لأنهما قد غررا بأنفسهما تغرة وعرضاهما لان تقتلا . وروى جميع أصحاب السيرة أن رسول الله صلى الله عليه وآله ، لما توفى كان أبو بكر في منزله ( 2 ) بالسنح ، فقام عمر بن الخطاب فقال : ما مات رسول الله صلى الله عليه ، ولا يموت حتى يظهر دينه على الدين كله ، وليرجعن فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم ممن أرجف بموته ، لا أسمع رجلا يقول : مات رسول الله إلا ضربته بسيفي . فجاء أبو بكر وكشف عن وجه رسول الله صلى الله عليه وآله ، وقال : بأبي وأمي ! طبت حيا وميتا والله لا يذيقك الله الموتتين أبدا ثم خرج والناس حول عمر ، وهو يقول لهم : إنه لم يمت ، ويحلف ، فقال له : أيها الحالف ، على رسلك ! ثم قال : من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ، قال الله تعالى ( انك ميت وانهم ميتون ) ، ( 3 ) وقال : ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) ( 4 ) قال عمر : فوالله
--> ( 1 ) النهاية لابن الأثير 3 : 156 . ( 2 ) السنح ، بالضم ثم السكون : إحدى محال المدينة ، كان بها منزل أبي بكر ، وهي بني الحارث ابن الخزرج بعوالي المدينة . ( 3 ) سورة الزمر 30 . ( 4 ) سورة آل عمران 144 .