ابن أبي الحديد

319

شرح نهج البلاغة

حبك الشئ يعمى ويصم ، ولهذا قال بعض الصالحين : رحم الله امرأ أهدى إلى عيوبي ، وذاك لان الانسان يحب نفسه ، ومن أحب شيئا عمى عن عيوبه ، فلا يكاد الانسان يلمح عيب نفسه وقد قيل : أرى كل إنسان يرى عيب غيره * ويعمى عن العيب الذي هو فيه . فلهذا استعان الصالحون على معرفة عيوبهم بأقوال غيرهم ، علما منهم أن هوى النفس لذاتها يعميها عن أن تدرك عيبها ، وما زال الهوى مرديا قتالا ، ولهذا قال سبحانه : ونهى النفس عن الهوى ( 1 ) ، وقال ( ص ) : ثلاث مهلكات : شح مطاع ، وهوى متبع ، وإعجاب المرء بنفسه ( 2 ) . وأنت إذا تأملت هلاك من هلك من المتكلمين كالمجبرة والمرجئة ، مع ذكائهم وفطنتهم واشتغالهم بالعلوم ، عرفت أنه لا سبب لهلاكهم إلا هوى الأنفس ، وحبهم الانتصار للمذهب الذي قد ألفوه ، وقد رأسوا بطريقة ، وصارت لهم الاتباع والتلامذة ، وأقبلت الدنيا عليهم ، وعدهم السلاطين علماء ورؤساء ، فيكرهون نقض ذلك كله وإبطاله ، ويحبون الانتصار لتلك المذاهب والآراء التي نشئوا عليها ، وعرفوا بها ، ووصلوا إلى ما وصلوا إليه بطريقها ، ويخافون عار الانتقال عن المذهب ، وأن يشتفي بهم الخصوم ويقرعهم الأعداء ، ومن أنصف علم أن الذي ذكرناه حق وأما طول الامل فينسى الآخرة ، وهذا حق لان ، الذهن إذا انصرف إلى الامل ، ومد الانسان في مداه ، فإنه لا يذكر الآخرة ، بل يصير مستغرق الوقت بأحوال الدنيا ، وما يرجو حصوله منها في مستقبل الزمان .

--> ( 1 ) سور النازعات 40 ( 2 ) كذا أورد الحديث مختصرا ، ونقله السيوطي في الجامع الصغير ( 1 : 236 ) بهذه الرواية : ( ثلاث مهلكات ، وثلاث منجيات ، وثلاث كفارات ، وثلاث درجات ، فأما المهلكات فشح مطاع ، وهوى متبع وإعجاب المرء بنفسه ، أما المنجيات . . ) إلى آخر الحديث .