ابن أبي الحديد
320
شرح نهج البلاغة
ومن كلام مسعر بن كدام : كم من مستقبل يوما ليس يستكمله ، ومنتظر غدا ليس من أجله ! ولو رأيتم الاجل ومسيره ، أبغضتم الامل وغروره . وكان يقال : تسويف الامل غرار ، وتسويل المحال ضرار . ومن الشعر المنسوب إلى علي ( ع ) : غر جهولا أمله * يموت من جاء أجله ومن دنا من حتفه * لم تغن عنه حيله وما بقاء آخر * قد غاب عنه أوله والمرء لا يصحبه * في القبر إلا عمله . وقال أبو العتاهية . لا تأمن الموت في لحظ ولا نفس * ولو تمنعت بالحجاب والحرس ( 1 ) واعلم بأن سهام الموت قاصدة * لكل مدرع منا ومترس ما بال دينك ترضى أن تدنسه * وثوب لبسك مغسول من الدنس ! ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها * إن السفينة لا تجرى على اليبس ومن الحديث المرفوع : أيها الناس إن الأعمال تطوى ، والأعمار تفنى ، والأبدان تبلى في الثرى ، وإن الليل والنهار يتراكضان تراكض الفرقدين ، يقربان كل بعيد ، ويخلقان كل جديد ، وفى ذلك ما ألهى عن الامل ، وأذكرك بحلول الاجل وقال بعض الصالحين : بقاؤك إلى فناء ، وفناؤك إلى بقاء فخذ من فنائك الذي الذي لا يبقى ، لبقائك الذي لا يفنى . وقال بعضهم : اغتنم بنفس الاجل ، وإمكان العمل ، اقطع ذكر المعاذير والعلل ودع تسويف الأماني والأمل ، فإنك في نفس معدود ، وعمر محدود ، ليس بممدود . وقال بعضهم : اعمل عمل المرتحل ، فإن حادي الموت يحدوك ليوم لا يعدوك
--> ( 1 ) ديوانه 133 .