ابن أبي الحديد
285
شرح نهج البلاغة
وإلى آخر وقت ، فجعل الرضى رحمه الله تعالى ما التقطه منه سردا ، وصار عند السامع كأنه يقصد به مقصدا واحدا . فالفصل الأول وهو من أول الكلام إلى قوله : واستبددت برهانها ، يذكر فيه مقاماته في الامر بالمعروف والنهى عن المنكر أيام أحداث عثمان ، وكون المهاجرين كلهم لم ينكروا ولم يواجهوا عثمان بما كان يواجهه به وينهاه عنه ، فهذا هو معنى قوله : فقمت بالامر حين فشلوا ، أي قمت بإنكار المنكر حين فشل أصحاب محمد ( ص ) عنه . والفشل : الخور والجبن . قال : ونطقت حين تعتعوا ، يقال : تعتع فلان ، إذا تردد في كلامه من عي أو حصر . قوله : وتطلعت حين تقبعوا ، امرأة طلعة قبعة ، تطلع ثم تقبع رأسها ، أي تدخله كما يقبع القنفذ ، يدخل برأسه في جلده ، وقد تقبع الرجل ، أي اختبأ وضده تطلع . قوله وكنت أخفضهم صوتا ، وأعلاهم فوتا يقول : علوتهم وفتهم وشأوتهم سبقا ، وأنا مع ذلك خافض الصوت ، يشير إلى التواضع ونفى التكبر . قوله : فطرت بعنانها ، واستبددت برهانها ، يقول : سبقتهم . وهذا الكلام استعارة من مسابقة خيل الحلبة . واستبددت بالرهان ، أي انفردت بالخطر ( 1 ) الذي وقع التراهن عليه . الفصل الثاني فيه ذكر حاله ( ع ) في الخلافة بعد عثمان ، يقول : كنت لما وليت الامر كالجبل لا تحركه القواصف ، يعنى الرياح الشديدة ، ومثله العواصف . والمهمز : موضع الهمز ، وهو العيب ، وكذاك المغمز .
--> ( 1 ) الخطر : السبق الذي يترامى عليه في الرهان .