ابن أبي الحديد

228

شرح نهج البلاغة

فإن شئت أتيت معاوية فسألته ما يريد ، ونظرت ما الذي يسأل ، قال : فأته إن شئت ، فأتاه ، فسأله : يا معاوية ، لأي شئ رفعتم هذه المصاحف ؟ قال : لنرجع نحن وأنتم إلى ما أمر الله به فيها ( 1 ) ، فابعثوا رجلا منكم ترضون به ، ونبعث منا رجلا ، ونأخذ عليهما أن يعملا بما في كتاب الله ولا يعدوانه ، ثم نتبع ما اتفقا عليه . فقال الأشعث : هذا هو الحق . وانصرف إلى علي عليه السلام ، فأخبره ، فبعث علي عليه السلام قراء من أهل العراق ، وبعث معاوية قراء من أهل الشام ، فاجتمعوا بين الصفين ، ومعهم المصحف ، فنظروا فيه وتدارسوا ( 2 ) واجتمعوا على أن يحيوا ما أحيا القرآن ، ويميتوا ما أمات القرآن ، ورجع كل فريق إلى صاحبه ، فقال أهل الشام : إنا قد رضينا واخترنا عمرو بن العاص ، وقال الأشعث والقراء الذين صاروا خوارج فيما بعد : قد رضينا نحن واخترنا أبا موسى الأشعري . فقال لهم علي عليه السلام : فإني لا أرضى بأبي موسى ولا أرى أن أوليه ، فقال الأشعث وزيد بن حصين ومسعر بن فدكي في عصابة من القراء : إنا لا نرضى إلا به ، فإنه قد كان حذرنا ما وقعنا فيه . فقال علي عليه السلام : فإنه ليس لي برضا ، وقد فارقني وخذل الناس عني ، وهرب مني حتى أمنته بعد أشهر ، ولكن هذا ابن عباس أوليه ذلك . قالوا : والله ما نبالي ، أكنت أنت أو ابن عباس ! ولا نريد إلا رجلا هو منك ومن معاوية سواء ، ليس إلى واحد منكما بأدنى من الآخر . قال علي عليه السلام : فإني أجعل الأشتر ، فقال الأشعث : وهل سعر الأرض علينا إلا الأشتر ! وهل نحن إلا في حكم الأشتر ! قال علي عليه السلام : وما حكمه ؟ قال : حكمه أن يضرب بعضنا بعضا بالسيف حتى يكون ما أردت وما أراد ( 3 ) . * * *

--> ( 1 ) وقعة صفين : " في كتابه " . ( 2 ) صفين : " وتدارسوه " . ( 3 ) وقعة صفين للمنقري 572 .