ابن أبي الحديد
226
شرح نهج البلاغة
وإن البغي والزور يزريان بالمرء في دينه ودنياه ، فاحذر الدنيا ، فإنه لا فرح في شئ وصلت إليه منها ، ولقد علمت أنك غير مدرك ما قضي فواته ، وقد رام قوم أمرا بغير الحق ، وتأولوه ( 1 ) على الله عز وجل ، فأكذبهم ومتعهم قليلا ، ثم اضطرهم إلى عذاب غليظ ، فاحذر يوما يغتبط فيه من حمد عاقبة عمله ، ويندم فيه من أمكن الشيطان من قياده ، ( ولم يحاده ) ( 2 ) ، وغرته الدنيا واطمأن إليها ، ثم إنك قد دعوتني إلى حكم القرآن ، ولقد علمت أنك لست من أهل القرآن ولا حكمه تريد ، والله المستعان ، فقد أجبنا القرآن إلى حكمه ، ولسنا إياك أجبنا ، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا بعيدا ( 3 ) . فكتب معاوية إلى علي عليه السلام : أما بعد ، عافانا الله وإياك ، فقد آن لك أن تجيب إلى ما فيه صلاحنا وألفة بيننا ، وقد فعلت الذي فعلت وأنا أعرف حقي ، ولكني اشتريت بالعفو صلاح الأمة ، ولم أكثر فرحا بشئ جاء ولا ذهب ، وإنما أدخلني في هذا الامر القيام بالحق فيما بين الباغي والمبغي عليه ، والامر بالمعروف والنهى عن المنكر ، فدعوت إلى كتاب الله فيما بيننا وبينك ، فإنه لا يجمعنا وإياك إلا هو ، نحيي ما أحيا القرآن ، ونميت ما أمات القرآن ، والسلام ( 4 ) . * * * قال نصر : فكتب علي عليه السلام إلى عمرو بن العاص ، يعظه ويرشده .
--> ( 1 ) وقعة صفين : " فتأولوا على الله " . ( 2 ) تكملة من وقعة صفين للمنقري . ( 3 ) وقعة صفين للمنقري 565 - 566 . ( 4 ) وقعة صفين للمنقري 570 .