ابن أبي الحديد

219

شرح نهج البلاغة

قد أحسست بالفتح . قالوا : لا نمهلك ، قال : فأمهلوني عدوة الفرس ، فإني قد طمعت في النصر ، قالوا : إذن ندخل معك في خطيئتك . قال : فحدثوني عنكم ، وقد قتل أماثلكم ، وبقى أراذلكم ، متى كنتم محقين ! أحين كنتم تقتلون أهل الشام ! فأنتم الآن حين أمسكتم عن قتالهم مبطلون ! أم أنتم الآن في إمساككم عن القتال محقون ! فقتلاكم إذن الذين لا تنكرون فضلهم ، وإنهم خير منكم في النار . قالوا : دعنا منك يا أشتر ، قاتلناهم في الله وندع قتالهم في الله ، إنا لسنا نطيعك فاجتنبنا ، فقال : خدعتم والله فانخدعتم ، ودعيتم إلى وضع الحرب فأجبتم ، يا أصحاب الجباه السود ، كنا نظن صلاتكم زهادة في الدنيا وشوقا إلى لقاء الله ! فلا أرى فراركم إلا إلى الدنيا من الموت ، ألا فقبحا يا أشباه النيب ( 1 ) الجلالة ، ما أنتم برائين بعدها عزا أبدا ، فأبعدوا كما بعد القوم الظالمون . فسبوه وسبهم ، وضربوا بسياطهم وجه دابته ، وضرب بسوطه وجوه دوابهم ، وصاح بهم علي عليه السلام ، فكفوا . وقال الأشتر : يا أمير المؤمنين ، إحمل الصف على الصف تصرع القوم . فتصايحوا إن أمير المؤمنين قد قبل الحكومة ، ورضي بحكم القرآن . فقال الأشتر : إن كان أمير المؤمنين قد قبل ورضي ، فقد رضيت بما رضي به أمير المؤمنين ، فأقبل الناس يقولون : قد رضي أمير المؤمنين ، قد قبل أمير المؤمنين ، وهو ساكت لا يبض ( 2 ) بكلمة ، مطرق إلى الأرض . ثم قام فسكت الناس كلهم ، فقال : أيها الناس ، إن أمري لم يزل معكم على ما أحب إلى أن أخذت منكم الحرب ، وقد والله أخذت منكم وتركت ، وأخذت من عدوكم فلم تترك ، وإنها فيهم أنكى وأنهك ، ألا إني كنت أمس أمير المؤمنين فأصبحت اليوم

--> ( 1 ) النيب ، جمع ناب ، وهي الناقة المسنة . ( 2 ) لا يبض بكلمة : لا يتكلم .