ابن أبي الحديد
220
شرح نهج البلاغة
مأمورا ، وكنت ناهيا فأصبحت منهيا ، وقد أحببتم البقاء ، وليس لي أن أحملكم على ما تكرهون ثم قعد . قال نصر : ثم تكلم رؤساء القبائل ، فكل قال ما يراه ويهواه ، إما من الحرب أو من السلم ، فقام كردوس بن هانئ البكري فقال : أيها الناس ، إنا والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه ، ولا تبرأنا من علي منذ توليناه ، وإن قتلانا لشهداء ، وإن أحياءنا لأبرار ، وإن عليا لعلى بينة من ربه ، وما أحدث إلا الانصاف ، فمن سلم له نجا ، ومن خالفه هلك . ثم قام شقيق بن ثور البكري ، فقال : أيها الناس ، إنا دعونا أهل الشام إلى كتاب الله ، فردوه علينا ، فقاتلناهم عليه ، وإنهم قد دعونا اليوم إليه ( 1 ) ، فإن رددناه عليهم . حل لهم منا ما حل لنا منهم ، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ورسوله ، ألا إن عليا ليس بالراجع الناكس ، ولا الشاك الواقف ، وهو اليوم على ما كان عليه أمس ، وقد أكلتنا هذه الحرب ، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة ( 2 ) . * * * قال نصر : ثم ن أهل الشام لما أبطا عنهم علم حال أهل العراق : هل أجابوا إلى الموادعة أم لا ؟ جزعوا فقالوا : يا معاوية ، ما نرى أهل العراق أجابوا إلى ما دعوناهم إليه ، فأعدها جذعة ( 3 ) ، فإنك قد غمرت بدعائك القوم ، وأطمعتهم فيك . فدعا معاوية عبد الله بن عمرو بن العاص ، فأمره أن يكلم أهل العراق ، ويستعلم له ما عندهم ، فأقبل حتى إذا كان بين الصفين ، نادى : يا أهل العراق ، أنا عبد الله بن
--> ( 1 ) كتاب وقعة صفين : " إلى كتاب الله " . ( 2 ) كتاب صفين 561 - 564 ، 553 - 554 ، وتاريخ الطبري 6 - 57 بسنده عن عبد الرحمن بن جندب عن أبيه . ( 3 ) أعدها جذعة ، أي ابدأ بها مرة أخرى . وفي اللسان : " وإذ طفئت حرب بين قوم فقال بعضهم : " إن شئتم أعدناها جذعة ، أي أول ما يبتدأ منها " . وفي الأصول " خدعة " والصواب ما أثبته من كتاب صفين .