ابن أبي الحديد
218
شرح نهج البلاغة
إني قد رجوت ( 1 ) الفتح فلا تعجلني ، فرجع يزيد بن هانئ إلى علي عليه السلام فأخبره ، فما هو إلا أن انتهى إلينا حتى ارتفع الرهج ، وعلت الأصوات من قبل الأشتر ، وظهرت دلائل الفتح والنصر لأهل العراق ، ودلائل الخذلان والادبار على أهل الشام ، فقال القوم لعلي : والله ما نراك أمرته إلا بالقتال ! قال : أرأيتموني ساررت ( 2 ) رسولي إليه ! أليس إنما كلمته على رءوسكم علانية وأنتم تسمعون ! قالوا : فابعث إليه فليأتك ، وإلا فوالله اعتزلناك ! فقال : ويحك يا يزيد ! قل له : أقبل إلى ، فإن الفتنة قد وقعت . فأتاه فأخبره ، فقال الأشتر : أبرفع ( 3 ) هذه المصاحف ؟ قال : نعم ، قال : أما والله لقد ظننت أنها حين رفعت ستوقع خلافا وفرقة ، إنها مشورة ابن النابغة ( 4 ) ! ثم قال ليزيد بن هانئ : ويحك ! ألا ترى إلى الفتح ! ألا ترى إلى ما يلقون ! ألا ترى الذي يصنع الله لنا ؟ أينبغي أن ندع هذا وننصرف عنه ! فقال له يزيد : أتحب أنك ظفرت هاهنا وأن أمير المؤمنين بمكانه الذي هو فيه يفرج عنه ، ويسلم إلى عدوه ! قال : سبحان الله ! لا والله لا أحب ذلك ، قال : فإنهم قد قالوا له ، وحلفوا عليه ، لترسلن إلى الأشتر فليأتينك ، أو لنقتلنك بأسيافنا ، كما قتلنا عثمان ، أو لنسلمنك إلى عدوك . فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم ، فصاح : يا أهل الذل والوهن ، أحين علوتم القوم ، وظنوا أنكم لهم قاهرون ، رفعوا ( 5 ) المصاحف يدعونكم إلى ما فيها ! وقد والله تركوا ما أمر الله به فيها ، وتركوا سنة من أنزلت عليه ، فلا تجيبوهم ! أمهلوني فواقا ( 6 ) فإني
--> ( 1 ) كتاب صفين : " إني قد رجوت الله أن يفتح لي " . ( 2 ) ب : " شاورت " ، وصوابه من أ ، ج ، وكتاب صفين . ( 3 ) كتاب صفين : " ألرفع " . ( 4 ) كتاب صفين : " يعني عمرو بن العاص " . ( 5 ) كذا في الأصول وتاريخ الطبري 6 : 27 ، وفي كتاب صفين : " ورفعوا " . ( 6 ) الفواق : ما بين الحلبتين ، يقال : انتظرتك فواق ناقة .