ابن أبي الحديد
215
شرح نهج البلاغة
وإذا قضى الله أمرا أمضاه على ما أحب العباد أو كرهوا ، أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم . قال الشعبي : قال صعصعة : فانطلقت عيون معاوية إليه بخطبة الأشعث ، فقال : أصاب ورب الكعبة ! لئن نحن التقينا غدا لتميلن الروم على ذراري أهل الشام ونسائهم ، ولتميلن فارس على ذراري أهل العراق ونسائهم ! إنما يبصر هذا ذوو الأحلام والنهى ، ثم قال لأصحابه : اربطوا المصاحف على أطراف القنا . فثار أهل الشام في سواد الليل ينادون عن قول معاوية وأمره : يا أهل العراق ، من لذرارينا إن قتلتمونا ! ومن لذراريكم إذا قتلناكم ! الله الله في البقية ! وأصبحوا وقد رفعوا المصاحف على رؤوس الرماح ، وقد قلدوها الخيل ( والناس على الرايات قد اشتهوا ما دعوا إليه ) ( 1 ) ، ومصحف دمشق الأعظم يحمله عشرة رجال على رؤوس الرماح ، وهم ينادون : كتاب الله بيننا وبينكم . وأقبل أبو الأعور السلمي على برذون أبيض ، وقد وضع المصحف على رأسه ، ينادي : يا أهل العراق ، كتاب الله بيننا وبينكم . قال : فجاء عدي بن حاتم الطائي ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إنه لم يصب منا عصبة إلا وقد أصيب منهم مثلها ( 2 ) ، وكل مقروح ، ولكنا أمثل بقية منهم ، وقد جزع القوم ، وليس بعد الجزع إلا ما نحب ، فناجزهم ( 3 ) . وقام الأشتر ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن معاوية لا خلف له من رجاله ، ولكن
--> ( 1 ) من كتاب صفين . ( 2 ) كتاب صفين : " إن كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق ، فإنه لم يصب . . . " . ( 3 ) في كتاب صفين : " فناجز القوم " ، والمناجزة في القتال : المبارزة والمقاتلة ، وهو أن يتبارز الفارسان فيتمارسان حتى يقتل كل واحد منهما صاحبه ، أو يقتل أحدهما .