ابن أبي الحديد

193

شرح نهج البلاغة

فكان جوابه عليه السلام : " يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ولا ترتدوا على أدباركم فتنقلبوا خاسرين " ( 1 ) . فتلكأوا عليه ، وقالوا إن البرد شديد . فقال : إنهم يجدون البرد كما تجدون . فتلكأوا وأبوا ، فقال : أف لكم ! إنها سنة جرت ، ثم تلا قوله تعالى : " قالوا يا موسى إن فيها قوما جبارين وإنا لن ندخلها حتى يخرجوا منها فإن يخرجوا منها فإنا داخلون " ( 2 ) . فقام منهم ناس فقالوا : يا أمير المؤمنين ، الجراح فاش في الناس - وكان أهل النهروان قد أكثروا الجراح في عسكر أمير المؤمنين عليه السلام - فارجع إلى الكوفة ، فأقم بها أياما ثم اخرج ، خار الله لك ! فرجع إلى الكوفة عن غير رضا . ( أمر الناس بعد وقعة النهروان ) وروى نصر بن مزاحم ، عن عمر بن سعد ، عن نمير بن وعلة ، عن أبي وداك ، قال : لما كره القوم المسير إلى الشام عقيب واقعة النهروان ، أقبل بهم أمير المؤمنين ، فأنزلهم النخيلة ، وأمر الناس أن يلزموا معسكرهم ، ويوطنوا على الجهاد أنفسهم ، وأن يقلوا زيارة النساء وأبنائهم ، حتى يسير بهم إلى عدوهم ، وكان ذلك هو الرأي لو فعلوه ، لكنهم لم يفعلوا ، وأقبلوا يتسللون ويدخلون الكوفة ، فتركوه عليه السلام وما معه من الناس إلا رجال من وجوههم قليل ، وبقي المعسكر خاليا ، فلا من دخل الكوفة خرج إليه ، ولا من أقام معه صبر . فلما رأى ذلك دخل الكوفة . * * *

--> ( 1 ) سورة المائدة 21 . ( 2 ) سورة المائدة 22 .