ابن أبي الحديد

194

شرح نهج البلاغة

قال نصر بن مزاحم : فخطب الناس بالكوفة ، وهي أول خطبة خطبها بعد قدومه من حرب الخوارج ، فقال : أيها الناس استعدوا لقتال عدو في جهادهم القربة إلى الله عز وجل ، ودرك الوسيلة عنده ، قوم حيارى عن الحق لا يبصرونه ، موزعين ( 1 ) بالجور والظلم لا يعدلون به ، جفاة عن الكتاب ، نكب عن الدين ، يعمهون في الطغيان ، ويتسكعون في غمرة الضلال ، فأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ، وتوكلوا على الله ، وكفى بالله وكيلا . قال : فلم ينفروا ولم ينشروا ( 2 ) ، فتركهم أياما ، ثم خطبهم ، فقال : أف لكم ! لقد سئمت عتابكم . أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة عوضا . . . الفصل الذي شرحناه آنفا إلى آخره . وزاد فيه : " أنتم أسود الشرى في الدعة ، وثعالب رواغة حين البأس ، إن أخا الحرب اليقظان ، ألا إن المغلوب مقهور ومسلوب " . * * * وروى الأعمش عن الحكم بن عتيبة ، عن قيس بن أبي حازم ، قال : سمعت عليا عليه السلام على منبر الكوفة ، وهو يقول : يا أبناء المهاجرين ، انفروا إلى أئمة الكفر ، وبقية الأحزاب ، وأولياء الشيطان . انفروا إلى من يقاتل على دم حمال الخطايا ، فوالله الذي فلق الحبة ، وبرأ النسمة ، إنه ليحمل خطاياهم إلى يوم القيامة لا ينقص من أوزارهم شيئا . قلت : هذا قيس بن أبي حازم ، وهو الذي روى حديث " إنكم لترون ربكم يوم القيامة كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " ، وقد طعن مشايخنا المتكلمون فيه ، وقالوا : إنه فاسق ، ولا تقبل روايته ، لأنه قال : إني سمعت عليا يخطب على منبر الكوفة ،

--> ( 1 ) يقال : أوزعه بالشئ ، إذا أغراه به . ( 2 ) لم ينشروا : أي لم يتفرقوا .