ابن أبي الحديد

184

شرح نهج البلاغة

وقال الفضيل : روي لي أن الله تعالى يقول في بعض ما يمن به على عبده : ألم أنعم عليك ! ألم أسترك ! ألم أخمل ذكرك ! وكان الخليل بن أحمد يقول في دعائه : اللهم اجعلني عندك من أرفع خلقك ، واجعلني عند نفسي من أوضع خلقك ، واجعلني عند الناس من أوسط خلقك . وقال إبراهيم بن أدهم : ما قرت عيني ليلة قط في الدنيا إلا مرة ، بت ليلة في بعض مساجد قرى الشام ، وكان بي علة البطن ، فجرني المؤذن برجلي حتى أخرجني من المسجد . وقال الفضيل : إن قدرت على ألا تعرف ، فافعل ، وما عليك ألا تعرف ! وما عليك ألا يثنى عليك ! وما عليك أن تكون مذموما عند الناس ، إذا كنت محمودا عند الله تعالى ! * * * فإن قيل : فما قولك في شهرة الأنبياء والأئمة عليهم السلام ، وأكابر الفقهاء المجتهدين ؟ قيل : إن المذموم طلب الشهرة ، فأما وجودها من الله تعالى من غير تكلف من العبد ولا طلب فليس بمذموم ، بل لا بد من وجود إنسان يشتهر أمره ، فإن بطريقه ينصلح العالم ، ومثال ذلك الغرقى الذين بينهم غريق ضعيف ، الأولى به ألا يعرفه أحد منهم ، لئلا يتعلق به فيهلك ويهلكوا معه ، فإن كان بينهم سابح قوي مشهور بالقوة فالأولى ألا يكون مجهولا ، بل ينبغي أن يعرف ليتعلقوا به ، فينجو هو ويتخلصوا من الغرق بطريقه .