ابن أبي الحديد
175
شرح نهج البلاغة
وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع ، وأراق دموعهم خوف المحشر ، فهم بين شريد ناد ، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وثكلان موجع ، قد أخملتهم التقية ، وشملتهم الذلة ، فهم في بحر أجاج ، أفواههم ضامزة ، وقلوبهم قرحة ، قد وعظوا حتى ملوا ، وقهروا حتى ذلوا ، وقتلوا حتى قلوا . فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حثالة القرظ ، وقراضة الجلم . واتعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يتعظ بكم من بعدكم ، وارفضوها ذميمة ، فإنها قد رفضت من كان أشغف بها منكم . * * * قال الرضي رحمه الله : وهذه الخطبة ربما نسبها من لا علم له إلى معاوية ، وهي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام الذي لا يشك فيه . وأين الذهب من الرغام ! وأين العذب من الأجاج ! وقد دل على ذلك الدليل الخريت ، ونقده الناقد البصير ، عمرو بن بحر الجاحظ ، فإنه ذكر هذه الخطبة في كتاب " البيان والتبيين " ( 1 ) وذكر من نسبها إلى معاوية . ثم تكلم من بعدها بكلام في معناها ، جملته أنه قال : وهذا الكلام بكلام علي عليه السلام
--> ( 1 ) البيان والتبيين 2 : 59 - 61 ، عن شعيب بن صفوان ، وقال : " وزاد فيها البقطري وغيره " ، وقال : " لما حضرت معاوية الوفاة قال لمولى له : من بالباب ؟ قال : نفر من قريش يتباشرون بموتك ، فقال : ويحك ! ولم ؟ قال : لا أدري ، قال فوالله ما لهم بعدي إلا الذي يسوءهم ، وأذن للناس فدخلوا " . ثم أورد الخطبة بروايته ، وقال في آخرها : " وفي هذه الخطبة : أبقاك الله ضروب من العجب ، منها أن الكلام لا يشبه السبب الذي من أجله دعاهم معاوية . ومنها أن هذا المذهب في تصنيف الناس ، وفي الاخبار عما هم عليه من القهر والإذلال ، ومن التقية والخوف أشبه بكلام علي رضي الله عنه ومعانيه وحاله منه بحال معاوية ، ومنها أنا لم نجد معاوية في حال من الحالات يسلك في كلامه مسلك الزهاد ، ولا يذهب مذاهب العباد ، وإنما نكتب لكم ونخبر بما سمعناه ، والله أعلم بأصحاب الاخبار ، وبكثير منهم " .