ابن أبي الحديد

154

شرح نهج البلاغة

ترسلوا إلينا ماء فافعلوا . فجاء علي عليه السلام في الغلس وأم حبيبة بنت أبي سفيان ، فوقف علي عليه السلام على الناس فوعظهم ، وقال : أيها الناس ، إن الذي تفعلون لا يشبه أمر المؤمنين ولا أمر الكافرين ، إن فارس والروم لتأسر فتطعم وتسقي فالله الله ! لا تقطعوا الماء عن الرجل ، فأغلظوا له وقالوا : لا نعم ولا نعمة عين ( 1 ) . فلما رأى منهم الجد نزع عمامته عن رأسه ، ورمى بها إلى دار عثمان ، يعلمه أنه قد نهض وعاد . وأما أم حبيبة وكانت مشتملة على إداوة فضربوا وجه بغلتها ، فقالت : إن وصايا أيتام بني أمية عند هذا الرجل ، فأحببت أن أساله عنها لئلا تهلك أموال اليتامى ، فشتموها ، وقالوا : أنت كاذبة ، وقطعوا حبل ( 2 ) البغلة بالسيف ، فنفرت وكادت تسقط عنها ، فتلقاها الناس فحملوها إلى منزلها ( 3 ) . * * * وروى أبو جعفر ، قال : أشرف عثمان عليهم يوما ، فقال : أنشدكم الله ، هل تعلمون أني اشتريت بئر رومة ( 4 ) بمالي ، أستعذب بها ، وجعلت رشائي فيها كرجل من المسلمين ( 5 ) ! قالوا : نعم ، قال : فلم تمنعونني أن أشرب منها حتى أفطر على ماء البحر ! ثم قال : أنشدكم الله ، هل تعلمون أني اشتريت أرض كذا ، فزدتها في المسجد ؟ قالوا : نعم ، قال : فهل علمتم أن أحدا منع أن يصلي فيه قبلي ( 5 ) !

--> ( 1 ) نعمة العين : قرتها . ( 2 ) الحبل للدابة : رسنها . ( 3 ) الطبري 5 : 127 مع تصرف . ( 4 ) بئر رومة في عقيق المدينة ، روي عن بشير الأسلمي : قال : لما قدم المهاجرون المدينة استنكروا الماء : وكان لرجل من بني غفار بئر يقال لها بئر رومة ، كان يبيع منها القربة بالمد ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعنيها بعين في الجنة ، فقال : يا رسول الله ، ليس لي ولا لعيالي غيرها : لا أستطيع ذلك ، فبلغ ذلك عثمان ، فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم . . . وتصدق بها كلها . ( معجم البلدان 1 : 4 ) . ( 5 ) تاريخ الطبري 5 : 125 بتصرف .