ابن أبي الحديد

153

شرح نهج البلاغة

دينه ، فلم يبال من ولى ، والدين لم يتفرق أهله بعد ! أم تقولون : لم يكن أخذ عن مشورة ، إنما كان مكابرة فوكل الله الأمة - إذ عصته ولم يتشاوروا في الإمامة - إلى أنفسها ! أم تقولون : إن الله لم يعلم عاقبة أمري ! فمهلا مهلا ! لا تقتلوني ، وإنه لا يحل إلا قتل ثلاثة : زان بعد إحصان ، أو كافر بعد إيمان ، أو قاتل نفس بغير حق . أما إنكم إن قتلتموني وضعتم السيف على رقابكم ثم لا يرفعه الله عنكم أبدا . فقالوا : أما ما ذكرت من استخارة الناس بعد عمر ، فإن كل ما يصنعه الله الخيرة ، ولكن الله جعلك بلية ابتلى بها عباده ، ولقد كانت لك قدم وسابقة ، وكنت أهلا للولاية ، ولكن أحدثت ما تعلمه ، ولا نترك اليوم إقامة الحق عليك مخافة الفتنة عاما قابلا . وأما قولك : لا يحل دم إلا بإحدى ثلاث : فإنا نجد في كتاب الله إباحة دم غير الثلاثة : دم من سعى في الأرض بالفساد ، ودم من بغى ثم قاتل على بغيه ، ودم من حال دون شئ من الحق ومنعه وقاتل دونه ، وقد بغيت ومنعت الحق ، وحلت دونه ، وكابرت عليه ، ولم تقد من نفسك من ظلمته ، ولا من عمالك ، وقد تمسكت بالإمارة علينا . والذين يقومون دونك ، ويمنعونك ، إنما يمنعونك ويقاتلوننا لتسميتك بالإمارة ، فلو خلعت نفسك لانصرفوا عن القتال معك . فسكت عثمان ، ولزم الدار وأمر أهل المدينة بالرجوع ، وأقسم عليهم فرجعوا ، إلا الحسن بن علي ، ومحمد بن طلحة ، وعبد الله بن الزبير وأشباها لهم ، وكانت مدة الحصار أربعين يوما ( 1 ) . * * * قال أبو جعفر : ثم أن محاصري عثمان اشفقوا من وصول أجناد من الشام والبصرة تمنعه ، فحالوا بين عثمان وبين الناس ، ومنعوه كل شئ حتى الماء ، فأرسل عثمان سرا إلى علي عليه السلام ، وإلى أزواج النبي صلى الله عليه أنهم قد منعونا الماء ، فإن قدرتم أن

--> ( 1 ) تاريخ الطبري 5 : 133 .