ابن أبي الحديد
152
شرح نهج البلاغة
وقد كنت أعطيتهم من قبل عهدا فلم تف به ، فلا تغرر في هذه المرة ، فإني معطيهم عنك الحق ، قال : أعطهم فوالله لأفين لهم . فخرج علي عليه السلام إلى الناس ، فقال : إنكم إنما تطلبون الحق ، وقد أعطيتموه ، وإنه منصفكم من نفسه ، فسأله الناس أن يستوثق لهم ، وقالوا : إنا لا نرضى بقول دون فعل ، فدخل عليه فأعلمه ، فقال : اضرب بيني وبين الناس أجلا ، فإني لا أقدر على تبديل ما كرهوا في يوم واحد ، فقال علي عليه السلام : أما ما كان بالمدينة فلا أجل فيه ، وأما ما غاب فأجله وصول أمرك ، قال : نعم ، فأجلني فيما بالمدينة ثلاثة أيام . فأجابه إلى ذلك ، وكتب بينه وبين الناس كتابا على رد كل مظلمة ، وعزل كل عامل كرهوه . فكف الناس عنه ، وجعل يتأهب سرا للقتال ، ويستعد بالسلاح ، واتخذ جندا ، فلما مضت الأيام الثلاثة ولم يغير شيئا ثار به الناس ، وخرج قوم إلى من بذي خشب من المصريين ، فأعلموهم الحال ، فقدموا المدينة ، وتكاثر الناس عليه ، وطلبوا منه عزل عماله ورد مظالمهم ، فكان جوابه لهم : إني إن كنت أستعمل من تريدون لا من أريد ، فلست إذن في شئ من الخلافة ، والامر أمركم . فقالوا : والله لتفعلن أو لتخلعن أو لنقتلنك ، فأبى عليهم وقال : لا أنزع سربالا سربلنيه الله . فحصروه وضيقوا الحصار عليه . * * * وروى أبو جعفر : لما اشتد على عثمان الحصار ، أشرف على الناس ، فقال : يا أهل المدينة ، أستودعكم الله وأساله أن يحسن عليكم الخلافة من بعدي ، ثم قال : أنشدكم الله ! هل تعلمون أنكم دعوتم الله عند مصاب عمر أن يختار لكم ويجمعكم على خيركم ! أفتقولون : إن الله لم يستجب لكم ، وهنتم عليه ، وأنتم أهل حقه وأنصار نبيه ( 1 ) ، أم تقولون : هان على الله
--> ( 1 ) ب " دينه " .