ابن أبي الحديد
146
شرح نهج البلاغة
أن ينزع عنها . فقال لها مروان : وما أنت وذاك ! والله لقد مات أبوك وما يحسن أن يتوضأ ! فقالت : مهلا يا مروان عن ذكر أبي إلا بخير ، والله لولا أن أباك عم عثمان ، وأنه يناله غمه وعيبه ، لأخبرتك من أمره بما لا أكذب فيه عليه . فأعرض عنه عثمان ، ثم عاد فقال : يا أمير المؤمنين ، أأتكلم أم أسكت ؟ فقال : تكلم ، فقال : بأبي أنت وأمي ! والله لوددت أن مقالتك هذه كانت وأنت ممتنع ، فكنت أول من رضي بها وأعان عليها ، ولكنك قلت ما قلت ، وقد بلغ الحزام الطبيين ، وجاوز السيل الزبى ( 1 ) ، وحين أعطي الخطة الذليلة الذليل ، والله لإقامة على خطيئة تستغفر الله منها ، أجمل من توبة تخوف عليها ، ما زدت على أن جرأت عليك الناس . فقال عثمان : قد كان من قولي ما كان ، وإن الفائت لا يرد ، ولم آل خيرا . فقال مروان : إن الناس قد اجتمعوا ببابك أمثال الجبال ، قال : ما شأنهم ؟ قال : أنت دعوتهم إلى نفسك ، فهذا يذكر مظلمة ، وهذا يطلب مالا ، وهذا يسأل نزع عامل من عمالك عنه ، وهذا ما جنيت على خلافتك ، ولو استمسكت وصبرت كان خيرا لك . قال : فأخرج أنت إلى الناس فكلمهم فإني أستحيي أن أكلمهم وأردهم . فخرج مروان إلى الناس ، وقد ركب بعضهم بعضا ، فقال : ما شأنكم ؟ قد اجتمعتم كأنكم جئتم لنهب ، شاهت الوجوه ( 2 ) ! أتريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا ! اعزبوا عنا ، والله إن رمتمونا لنمرن عليكم ما حلا ، ولنحلن بكم ما لا يسركم ، ولا تحمدوا فيه غب ( 3 ) رأيكم ، ارجعوا إلى منازلكم ، فإنا والله غير مغلوبين على ما في أيدينا
--> ( 1 ) جاوز الحزام الطبيين ، مثل ، يقال لمواضع الاخلاف من الناقة أطباء ، واحدها طبي ، بضم الطاء وكسرها ، فإذا بلغ الحزام الطبيين فقد انتهى في المكروه . ومثله جاوز السيل الزبى ، والزبى : جمع زبية ، وهي مصيدة الأسد ، ولا تتخذ إلا في قلة أو هضبة أو رابية . ( 2 ) شاهت الوجوه : قبحت . ( 3 ) غب رأيكم ، أي عاقبة رأيكم .