ابن أبي الحديد
147
شرح نهج البلاغة
فرجع الناس خائبين يشتمون عثمان ومروان ، وأتى بعضهم عليا عليه السلام فأخبره الخبر فأقبل علي عليه السلام على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث الزهري ، فقال : أحضرت خطبة عثمان ؟ قال : نعم ، قال : أحضرت مقالة مروان للناس ؟ قال : نعم فقال : أي عباد الله ، يا لله للمسلمين ! إني إن قعدت في بيتي ، قال لي : تركتني وخذلتني ! وإن تكلمت فبلغت له ما يريد ، جاء مروان فتلعب به حتى قد صار سيقة ( 1 ) له ، يسوقه حيث يشاء ، بعد كبر السن وصحبته الرسول صلى الله عليه . وقام مغضبا من فوره حتى دخل على عثمان ، فقال له : أما يرضى مروان منك إلا أن يحرفك عن دينك وعقلك ! فأنت معه كجمل الظعينة ، يقاد حيث يسار به ، والله ما مروان بذي رأي في دينه ولا عقله ، وإني لأراه يوردك ثم لا يصدرك ، وما أنا عائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك ، أفسدت شرفك ، وغلبت على رأيك . ثم نهض . فدخلت نائلة بنت الفرافصة ، فقالت : قد سمعت قول علي لك ، وإنه ليس براجع إليك ولا معاود لك ، وقد أطعت مروان يقودك حيث يشاء . قال : فما أصنع ؟ قالت : تتقي الله وتتبع سنة صاحبيك ، فإنك متى أطعت مروان قتلك ، وليس لمروان عند الناس قدر ولا هيبة ولا محبة ، وإنما تركك الناس لمكانه ، وإنما رجع عنك أهل مصر لقول علي ، فأرسل إليه فاستصلحه ، فإن له عند الناس قدما ، وإنه لا يعصى . فأرسل إلى علي فلم يأته وقال : قد أعلمته أني غير عائد ( 2 ) . قال أبو جعفر : فجاء عثمان إلى علي بمنزله ليلا ، فاعتذر إليه ، ووعد من نفسه الجميل ، وقال : إني فاعل ، وإني غير فاعل ، فقال له علي عليه السلام : أبعد ما تكلمت على منبر رسول الله صلى الله عليه ، وأعطيت من نفسك ، ثم دخلت بيتك ، وخرج مروان
--> ( 1 ) سيقة له ، أي مسوقا . ( 2 ) تاريخ الطبري 111 - 112 .