ابن أبي الحديد

127

شرح نهج البلاغة

إذا لم يغلب على ظن الناهي عن المنكر أن نهيه لا يؤثر ، فإن غلب على ظنه أن نهيه لا يؤثر ، قبح إنكار المنكر ، لأنه إن كان الغرض تعريف فاعل القبيح قبح ما أقدم عليه ، فذلك حاصل من دون الانكار وإن كان الغرض ألا يقع المنكر ، فذلك غير حاصل ، لأنه قد غلب على ظنه أن نهيه وإنكاره لا يؤثر ، ولذلك لا يحسن من الانسان الانكار على أصحاب المآصر ( 1 ) ما هم عليه من أخذ المكوس ، لما غلب على الظن أن الانكار لا يؤثر ، وهذا يقتضي أن يكون أمير المؤمنين عليه السلام قد غلب على ظنه أن إنكاره لا يؤثر ، فلذلك لم ينكر . ولأجل اشتباه هذا الكلام على السامعين ، قال كعب بن جعيل ، شاعر أهل الشام الأبيات التي منها ( 2 ) : أرى الشام تكره أهل العراق * وأهل العراق لهم كارهونا ( 3 ) وكل لصاحبه مبغض * يرى كل ما كان من ذاك دينا إذا ما رمونا رميناهم * ودناهم مثل ما يقرضونا ( 4 ) وقالوا علي إمام لنا * فقلنا رضينا ابن هند رضينا وقالوا نرى أن تدينوا لنا * فقلنا ألا لا نرى أن ندينا ( 5 ) ومن دون ذلك خرط القتاد * وطعن وضرب يقر العيونا ( 6 )

--> ( 1 ) المآصر : المواضع المعدة لحبس المارة عن المسير لاخذ العشور . ( 2 ) الأبيات في وقعة صفين 62 ، 64 ، وأورد المبرد في الكامل ( 4 - 212 - بشرح المرصفي ) الستة الأبيات الأولى منها ، وقال : " وفي آخر هذا الشعر ذم لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه أمسكنا عن ذكره " . ( 3 ) وقعة صفين " والكامل " : " ملك العراق " . ( 4 ) دناهم : من الدين ، وهو القرض : ويقرضونا ، حذفت النون من غير ناصب ولا جازم ، وهو جائز في العربية ، وانظر خزانة الأدب ( 3 : 525 - 526 ) . ( 5 ) هذه رواية ابن أبي الحديد ، وهو توافق رواية المبرد ، وفي صفين : وقلنا نرى أن تدينوا لنا * فقالوا لنا لا نرى أن ندينا ( 6 ) قال المبرد : " وأحسن الروايتين : يفض الشئونا " .