ابن أبي الحديد

104

شرح نهج البلاغة

والثاني : مقابله في المعنى لا في اللفظ . أما الأول ، فكقوله تعالى : " فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا " ( 1 ) ، فالضحك ضد البكاء ، والقليل ضد الكثير . وكذلك قوله تعالى : " لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم " ( 2 ) . ومن كلام النبي ص : " خير المال عين ساهرة لعين نائمة " . ومن كلام أمير المؤمنين ع لعثمان : إن الحق ثقيل مرئ ، وإن الباطل خفيف وبئ ، وأنت رجل إن صدقت سخطت ، وإن كذبت رضيت . وكذلك قوله ع لما قالت الخوارج : لا حكم إلا لله : " كلمة حق أريد بها باطل " . وقال الحجاج لسعيد بن جبير لما أراد قتله : ما اسمك ؟ فقال : سعيد بن جبير ، فقال : بل شقي بن كسير . * * * وقال ابن الأثير في كتابه المسمى ب‍ " المثل السائر " : إن هذا النوع من المقابلة غير مختص بلغه العرب ، فإنه لما مات قباذ أحد ملوك الفرس قال وزيره : حركنا بسكونه . وفي أول كتاب الفصول لبقراط في الطب : العمر قصير والصناعة طويلة ، وهذا الكتاب على لغة اليونان ( 3 ) . قلت : أي حاجة به إلى هذا التكلف ! وهل هذه الدعوى من الأمور التي يجوز إن يعتري الشك والشبهة فيها ، ليأتي بحكاية مواضع من غير كلام العرب يحتج بها ! أليس كل قبيلة وكل أمة لها لغة تختص بها ! أليس الألفاظ دلالات على ما في الأنفس

--> ( 1 ) سورة التوبة 82 . ( 2 ) سورة الحديد 23 . ( 3 ) المثل السائر 2 : 280 ، من فصل عقده للتناسب بين المعاني .