ابن أبي الحديد
105
شرح نهج البلاغة
من المعاني ! فإذا خطر في النفس كلام يتضمن أمرين ضدين فلا بد لصاحب ذلك الخاطر - سواء أكان عربيا أو فارسيا أو زنجيا أو حبشيا - أن ينطق بلفظ يدل على تلك المعاني المتضادة ، وهذا أمر يعم العقلاء كلهم ، على أن تلك اللفظة التي قالها ، ما قيلت في موت قباذ ، وإنما قيلت في موت الإسكندر ، لما تكلمت الحكماء وهم حول تابوته بما تكلموا به من الحكم . * * * ومما جاء من هذا القسم من المقابلة في الكتاب العزيز قوله تعالى في صفة الواقعة : " خافضة رافعة " ( 1 ) ، لأنها تخفض العاصين ، وترفع المطيعين . وقوله تعالى : " فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب " ( 2 ) . وقوله : " أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ( 3 ) . ومن هذا الباب قول النبي ص للأنصار : " إنكم لتكثرون عند الفزع وتقلون عند الطمع " . ومما جاء من ذلك في الشعر قول الفرزدق يهجو قبيله جرير : يستيقظون إلى نهيق حميرهم * وتنام أعينهم عن الأوتار ( 4 ) وقال آخر : فلا الجود يفني المال والجد مقبل * ولا البخل يبقي المال والجد مدبر ( 5 )
--> ( 1 ) سورة الواقعة 3 . ( 2 ) سورة الحديد 13 . ( 3 ) سورة المائدة 54 . ( 4 ) ديوانه : 45 ، وروايته : " إلى نهاق حميرهم " . ( 5 ) في المثل السائر 2 283 من غير نسبة .