ابن أبي الحديد
103
شرح نهج البلاغة
ونقلت من " أمالي " أبي أحمد العسكري رحمه الله تعالى ، قال : خطب الحجاج يوما ، فقال : أيها الناس ، قد أصبحتم في أجل منقوص ، وعمل محفوظ . رب دائب مضيع وساع لغيره . والموت في أعقابكم ، والنار بين أيديكم ، والجنة أمامكم ، خذوا من أنفسكم لأنفسكم ، ومن غناكم لفقركم ، ومما في أيديكم لما بين أيديكم ، فكأن ما قد مضى من الدنيا لم يكن ، وكأن الأموات لم يكونوا أحياء ، وكل ما ترونه فإنه ذاهب . هذه شمس عاد وثمود وقرون كثيرة بين ذلك ، هذه الشمس التي طلعت على التبابعة والأكاسرة وخزائنهم السائرة بين أيديهم وقصورهم المشيدة ، ثم طلعت على قبورهم ! أين الملوك الأولون ! أين الجبابرة المتكبرون ! المحاسب الله ، والصراط منصوب ، وجهنم تزفر وتتوقد ، وأهل الجنة ينعمون ، في روضة يحبرون ، جعلنا الله وإياكم من الذين ، " إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا " ( 1 ) . قال : فكان الحسن رحمه الله تعالى يقول : ألا تعجبون من هذا الفاجر ، يرقى عتبات المنبر فيتكلم بكلام الأنبياء ، وينزل فيفتك فتك الجبارين ! يوافق الله في قوله ، ويخالفه في فعله ! ( استطراد بلاغي في الكلام على المقابلة ) وأما ما ذكره الرضي رحمه الله تعالى من المقابلة بين السبقة والغاية ، فنكتة جيده من علم البيان ، ونحن نذكر فيها أبحاثا نافعة ، فنقول : إما أن مقابل الشئ ضده أو ما ليس بضده . فالأول كالسواد والبياض ، وهو قسمان : أحدهما : مقابله في اللفظ والمعنى .
--> ( 1 ) سورة الفرقان 73 .