ابن أبي الحديد
102
شرح نهج البلاغة
ضلالا بعيدا ، والله ما أحب أن ما مضى من الدنيا بعمامتي هذه ، ولما بقي منها أشبه بما مضى من الماء بالماء . وقال مالك بن دينار : غدوت إلى الجمعة ، فجلست قريبا من المنبر ، فصعد الحجاج ، فسمعته يقول : امرؤ زور عمله ، امرؤ حاسب نفسه ، امرؤ فكر فيما يقرؤه في صحيفته ، ويراه في ميزانه ، امرؤ كان عند قلبه زاجر ، وعند همه آمر ، امرؤ أخذ بعنان قلبه ، كما يأخذ الرجل بخطام جمله ، فإن قاده إلى طاعة الله تبعه ، وإن قاده إلى معصية الله كفه ، إننا والله ما خلقنا للفناء ، وإنما خلقنا للبقاء ، وإنما ننتقل من دار إلى دار . وخطب يوما ، فقال : إن الله أمرنا بطلب الآخرة ، وكفانا مئونة الدنيا ، فليته كفانا مئونة الآخرة ، وأمرنا بطلب الدنيا . فقال الحسن : ضالة المؤمن خرجت من قلب المنافق . ومن الكلام المنسوب إليه - وأكثر الناس يروونه عن أمير المؤمنين ع : أيها الناس ، اقدعوا هذه الأنفس ، فإنها أسأل شئ إذا أعطيت ، وأبخل لشئ إذا سئلت ، فرحم الله امرأ جعل لنفسه خطاما وزماما ، فقادها بخطامها إلى طاعة الله ، وعطفها بزمامها عن معصية الله ، فإني رأيت الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله . ومن كلامه : إن امرأ أتت عليه ساعة من عمره لم يذكر فيها ربه ، ويستغفر من ذنبه ، ويفكر في معاده ، لجدير أن يطول حزنه ، ويتضاعف أسفه . إن الله كتب على الدنيا الفناء ، وعلى الآخرة البقاء ، فلا بقاء لما كتب عليه الفناء ، ولا فناء لما كتب عليه البقاء ، فلا يغرنكم شاهد الدنيا عن غائب الآخرة ، واقهروا طول الامل بقصر الاجل .