ابن أبي الحديد

100

شرح نهج البلاغة

فلا تزهدن في معروف ، فإن الدهر ذو صروف . كم من راغب قد كان مرغوبا إليه ! والزمان ذو ألوان ، من يصحب الزمان ير الهوان ، وإن غلبت يوما على المال فلا تغلبن على الحيلة على كل حال ، وكن أحسن ما تكون في الظاهر حالا ، أقل ما تكون في الباطن مآلا . كان يقال : إن مما يعجل الله تعالى عقوبته : الأمانة تخان ، والاحسان يكفر ، والرحم تقطع ، والبغي على الناس . الربيع بن خيثم : لو كانت الذنوب تفوح روائحها لم يجلس أحد إلى أحد . قيل لبعضهم : كيف أصبحت ؟ قال : آسفا على أمسي ، كارها ليومي ، متهما لغدي . وقيل لآخر : لم تركت الدنيا ؟ قال : أنفت من قليلها ، وأنف مني كثيرها . وهذا كما قال بعضهم ، وقد قيل له : لم لا تقول الشعر ؟ قال : يأباني جيده ، وآبي رديئه . بعض الصالحين : لو أنزل الله تعالى كتابا : إني معذب رجلا واحدا خفت أن أكونه ، أو إنه راحم رجلا واحدا ، لرجوت أن أكونه . مطرف بن الشخير : خير الأمور أوساطها ، وشر السير الحقحقة ( 1 ) . وهذا الكلام قد روي مرفوعا . يحيى بن معاذ : إن لله عليك نعمتين : في السراء التذكر ، وفي الضراء التصبر ، فكن في السراء عبدا شكورا ، وفي الضراء حرا صبورا . دخل ابن السماك على الرشيد ، فقال له : عظني ، ثم دعا بماء ليشربه ، فقال له : ناشدتك الله لو منعك الله من شربه ما كنت فاعلا ؟ قال : كنت أفتديه بنصف ملكي ، قال : فاشربه ، فلما شرب ، قال : ناشدتك الله ! لو منعك الله من خروجه ما كنت فاعلا ؟ قال : كنت أفتديه بنصف ملكي ، قال : إن ملكا يفتدى به شربة ماء ، لخليق ألا ينافس عليه . قال المنصور لعمرو بن عبيد رحمه الله تعالى : عظني ، قال : بما رأيت أم بما سمعت ؟

--> ( 1 ) الحقحقة : أرفع السير وأتعبه للظهر .