ابن أبي الحديد

93

شرح نهج البلاغة

وأعظم الناس عند الناس منزلة * وأبعد الناس من عيب ومن وهن ! قوموا ببيعتكم ننهض بطاعتها * أن الخلافة فيكم يا بنى حسن إنا لنأمل أن ترتد الفتنا * بعد التدابر والبغضاء والإحن حتى يثاب على الاحسان محسننا * ويأمن الخائف المأخوذ بالدمن وتنقضي دولة أحكام قادتها * فينا كأحكام قوم عابدي وثن فطالما قد بروا بالجور أعظمنا * بري الصناع قداح النبع بالسفن . فتغير وجه الرشيد عند سماع هذا الشعر ، وتغيظ على ابن مصعب ، فابتدأ ابن مصعب يحلف بالله الذي لا إله إلا هو وبأيمان البيعة إن هذا الشعر ليس له ، وإنه لسديف ، فقال يحيى : والله يا أمير المؤمنين ما قاله غيره ، وما حلفت كاذبا ولا صادقا بالله قبل هذا ، وإن الله عز وجل إذا مجده العبد في يمينه فقال : والله الطالب الغالب الرحمن الرحيم استحيا أن يعاقبه ، فدعني أن أحلفه بيمين ما حلف بها أحد قط كاذبا إلا عوجل قال ، فحلفه ، قال : قل : برئت من حول الله وقوته ، واعتصمت بحولي وقوتي ، وتقلدت الحول والقوة من دون الله ، استكبارا على الله واستعلاء عليه ، واستغناء عنه إن كنت قلت هذا الشعر ! فامتنع عبد الله من الحلف بذلك فغضب الرشيد ، وقال للفضل بن الربيع يا عباسي ما له لا يحلف إن كان صادقا ! هذا طيلساني على ، وهذه ثيابي لو حلفني بهذه اليمين إنها لي لحلفت . فوكز الفضل عبد الله برجله و - كان له فيه هوى - وقال له احلف ويحك ! فجعل يحلف بهذه اليمين ، ووجهه متغير ، وهو يرعد ، فضرب يحيى بين كتفيه ، وقال : يا بن مصعب ، قطعت عمرك ، لا تفلح بعدها أبدا ! قالوا فما برح من موضعه حتى عرض له أعراض الجذام ، استدارت عيناه ،