ابن أبي الحديد

46

شرح نهج البلاغة

وقال آخر : كريم يغض الطرف فضل حيائه * ويدنو وأطراف الرماح دوان . ومتى قصد به الانقباض فهو مدح للصبيان دون المشايخ ، ومتى قصد به ترك القبيح فهو مدح لكل أحد ، وبالاعتبار الأول قيل الحياء بالأفاضل قبيح ، وبالاعتبار الثاني ورد أن الله ليستحي من ذي شيبة في الاسلام أن يعذبه ، أي يترك تعذيبه ويستقبح لكرمه ذلك . فأما الخجل فحيرة تلحق النفس لفرط الحياء ، ويحمد في النساء والصبيان ويذم بالاتفاق في الرجال . فأما القحة فمذمومة بكل لسان ، إذ هي انسلاخ من الانسانية ، وحقيقتها لجاج النفس في تعاطى القبيح ، واشتقاقها من حافر وقاح أي صلب ولهذه المناسبة قال الشاعر : يا ليت لي من جلد وجهك رقعة * فأعد منها حافرا للأشهب . وما أصدق قول الشاعر صلابة الوجه لم تغلب على أحد * إلا تكامل فيه الشر واجتمعا . فأما كيف يكتسب الحياء ، فمن حق الانسان إذا هم بقبيح أن يتصور أجل من نفسه إنه يراه ، فإن الانسان يستحيى ممن يكبر في نفسه أن يطلع على عيبه ولذلك لا يستحيى من الحيوان غير الناطق ، ولا من الأطفال الذين لا يميزون ، ويستحيى من العالم أكثر مما يستحيى من الجاهل ومن الجماعة أكثر مما يستحيى من الواحد ، والذين يستحيى الانسان منهم ثلاثة البشر ، ونفسه ، والله تعالى ، أما البشر فهم أكثر