ابن أبي الحديد

47

شرح نهج البلاغة

من يستحيى منه الانسان في غالب الناس ، ثم نفسه ، ثم خالقه ، وذلك لقلة توفيقه وسوء اختياره . واعلم أن من استحيا من الناس ولم يستحيى من نفسه فنفسه عنده أخس من غيره ، ومن استحيا منهما ولم يستحى من الله تعالى فليس عارفا ، لأنه لو كان عارفا بالله لما استحيا من المخلوق دون الخالق ، ألا ترى أن الانسان لا بد أن يستحيى من الذي يعظمه ويعلم أنه يراه أو يستمع بخبره فيبكته ، ومن لا يعرف الله تعالى كيف يستعظمه ! وكيف يعلم إنه يطلع عليه ! وفي قول رسول الله صلى الله عليه وآله ( استحيوا من الله حق الحياء ) ، أمر في ضمن كلامه هذا بمعرفته سبحانه وحث عليها ، وقال سبحانه : ( ألم يعلم بأن الله ) ( 1 ) ، يرى تنبيها على أن العبد إذا علم أن ربه يراه استحيا من ارتكاب الذنب . وسئل الجنيد رحمه الله عما يتولد منه الحياء من الله تعالى ، فقال : أن يرى العبد آلاء الله سبحانه ونعمه عليه ، ويرى تقصيره في شكره . فإن قال قائل : فما معنى قول النبي صلى الله عليه وآله ( من لا حياء له فلا إيمان له ) . قيل له : لان الحياء أول ما يظهر من إمارة العقل في الانسان ، وأما الايمان فهو آخر المراتب ، ومحال حصول المرتبة الآخرة لمن لم تحصل له المرتبة الأولى ، فالواجب إذن أن من لا حياء له فلا إيمان له . وقال عليه السلام : ( الحياء شعبة من الايمان ) . وقال : ( الايمان عريان ، ولباسه التقوى ، وزينته الحياء ) .

--> ( 1 ) سورة العلق 14 .