ابن أبي الحديد

415

شرح نهج البلاغة

وحكى الأصمعي عن بعضهم إنه خرج هو وصاحب له يسيران ، فإذا غلام على الطريق ، فقالا له : من أنت ؟ قال : أنا مسكين قد قطع بي فقال أحدهما لصاحبه ، أردفه خلفك ، فأردفه ، فالتفت الاخر إليه فرأى فمه يتأجج نارا ، فشد عليه بالسيف فذهبت النار فرجع عنه ، ثم التفت فرأى فمه يتأجج نارا فشد عليه فذهبت النار ، ففعل ذلك مرار ، فقال ذلك الغلام : قاتلكما الله ما أجلدكما ! والله ما فعلتها بآدمي إلا وانخلع فؤاده ، ثم غاب عنهما فلم يعلما خبره . وقال أبو البلاد الطهوي - ويروى لتأبط شرا : لهان على جهينة ما ألاقي * من الروعات يوم رحا بطان ( 1 ) لقيت الغول تسرى في ظلام * بسهب كالعباءة صحصحان ( 2 ) فقلت لها : كلانا نقض أرض * أخو سفر فخلى لي مكاني ( 3 ) فشدت شدة نحوي فأهوى * لها كفى بمصقول يماني فقالت : زد فقلت : رويد إني * على أمثالها ثبت الجنان . والذين يروون هذا الشعر لتأبط شرا يروون أوله : إلا من مبلغ فتيات جهم * بما لاقيت عند رحا بطان بأني قد لقيت الغول تلوى * بمرت كالصحيفة صحصحان فصدت فانتحيت لها بعضب * حسام غير مؤتشب يماني فقد سراتها والبرك منها * فخرت لليدين وللجران ( 4 ) فقالت : ثن قلت لها : رويدا * مكانك إنني ثبت الجنان

--> ( 1 ) الحيوان 6 : 234 ، وانظر الأغاني 18 : 21 ، 212 ، ومعجم البلدان 8 : 231 . ورحا بطان : موضع في بلاد هذيل . ( 2 ) الصحصحان : ما استوى من الأرض . ( 3 ) النقض : المهزول قد نقضه السفر . ( 4 ) السراة ، بالفتح ، الظهر ، والبرك : الصدر .