ابن أبي الحديد
384
شرح نهج البلاغة
وللعرب في البقر خيال آخر ، وذلك إنهم إذا أوردوها فلم ترد ، ضربوا الثور ليقتحم الماء ، فتقتحم البقر بعده ، ويقولون : إن الجن تصد البقر عن الماء ، وإن الشيطان يركب قرني الثور ، وقال قائلهم : إني وقتلى سليكا حين أعقله * كالثور يضرب لما عافت البقر ( 1 ) وقال نهشل بن حرى : كذاك الثور يضرب بالهراوي * إذا ما عافت البقر الظماء . وقال آخر : كالثور يضرب للورود * إذا تمنعت البقر . فإن كان ليس إلا هذا فليس ذاك بعجيب من البقر ولا بمذهب من مذاهب العرب : لأنه قد يجوز أن تمتنع البقر من الورود حتى يرد الثور كما تمتنع الغنم من سلوك الطرق أو دخول الدور والأخبية حتى يتقدمها الكبش أو التيس ، وكالنحل تتبع اليعسوب ، والكراكي تتبع أميرها ، ولكن الذي تدل عليه أشعارها أن الثور يرد ويشرب ولا يمتنع ، ولكن البقر تمتنع وتعاف الماء وقد رأت الثور يشرب ، فحينئذ يضرب الثور مع إجابته إلى الورود فتشرب البقر عند شربه ، وهذا هو العجب ، قال الشاعر : فإني إذن كالثور يضرب جنبه * إذا لم يعف شربا وعافت صواحبه . وقال آخر : فلا تجعلوني كالبقير وفحلها * يكسر ضربا وهو للورد طائع وما ذنبه إن لم يرد بقراته * وقد فاجأتها عند ذاك الشرائع .
--> ( 1 ) للسليك بن السلكة ، والبيت من شواهد ابن عقيل 2 : 282 .