ابن أبي الحديد

311

شرح نهج البلاغة

فأما المنهي من هو ؟ فهو كل مكلف اختص بما ذكرناه من الشروط ، وغير المكلف إذا هم بالاضرار لغيره يمنع منه ، ويمنع الصبيان وينهون عن شرب الخمر حتى لا يتعودوه ، كما يؤاخذون بالصلاة حتى يمرنوا عليها ، وهذا ما ذكره أصحابنا . فأما قوله عليه السلام : ( ومنهم المنكر بلسانه وقلبه ، والتارك بيده ، فذلك متمسك بخصلتين من خصال الخير ، ومضيع خصله ) ، فإنه يعنى به من يعجز عن الانكار باليد لمانع ، لأنه لم يخرج هذا الكلام مخرج الذم ، ولو كان لم يعن العاجز لوجب أن يخرج الكلام مخرج الذم ، لأنه ليس بمعذور في أن ينكر بقلبه ولسانه إذا أخل بالانكار باليد مع القدرة على ذلك ، وارتفاع الموانع . وأما قوله : ( ضيع أشرف الخصلتين ) فاللام زائدة ، وأصله ( ضيع أشرف خصلتين من الثلاث ) ، لأنه لا وجه لتعريف المعهود هاهنا في الخصلتين ، بل تعريف الثلاث باللام أولى ، ويجوز حذفها من الثلاث ، ولكن إثباتها أحسن ، كما تقول : قتلت أشرف رجلين من الرجال الثلاثة . وأما قوله : ( فذلك ميت الاحياء ) ، فهو نهاية ما يكون من الذم . واعلم أن النهى عن المنكر ، والامر بالمعروف عند أصحابنا أصل عظيم من أصول الدين : وإليه تذهب الخوارج الذين خرجوا على السلطان ، متمسكين بالدين وشعار الاسلام ، مجتهدين في العبادة ، لأنهم إنما خرجوا لما غلب على ظنونهم ، أو علموا جور الولاة وظلمهم ، وإن أحكام الشريعة قد غيرت ، وحكم بما لم يحكم به الله ، وعلى هذا الأصل تبنى الإسماعيلية من الشيعة قتل ولاة الجور غيلة ، وعليه بناء أصحاب الزهد في الدنيا الانكار على الامراء والخلفاء ، ومواجهتهم بالكلام الغليظ لما عجزوا عن الانكار باليد ، وبالجملة فهو أصل شريف أشرف من جميع أبواب البر والعبادة ، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام .