ابن أبي الحديد

312

شرح نهج البلاغة

( 381 ) الأصل : وروى أبو جحيفة قال : سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول : إن أول ما تغلبون عليه من الجهاد ، الجهاد بأيديكم ، ثم بألسنتكم ، ثم بقلوبكم ، فمن لم يعرف بقلبه معروفا ولم ينكر منكرا ، قلب فجعل أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه . الشرح : إنما قال ذلك لان الانكار بالقلب آخر المراتب ، وهو الذي لا بد منه على كل حال ، فأما الانكار باللسان وباليد فقد يكون منهما بد ، وعنهما عذر ، فمن ترك النهى عن المنكر بقلبه ، والامر بالمعروف بقلبه ، فقد سخط الله عليه لعصيانه ، فصار كالممسوخ الذي يجعل الله تعالى أعلاه أسفله ، وأسفله أعلاه تشويها لخلقته ، ومن يقول بالأنفس الجسمانية ، وإنها بعد المفارقة يصعد بعضها إلى العالم العلوي : وهي نفوس الأبرار وبعضها ينزل إلى المركز ، وهي نفوس الأشرار ، يتأول هذا الكلام على مذهبه ، فيقول : إن من لا يعرف بقلبه معروفا ، أي لا يعرف من نفسه باعثا عليه ولا متقاضيا بفعله ، ولا ينكر بقلبه منكرا ، أي لا يأنف منه ولا يستقبحه ، ويمتعض من فعله يقلب نفسه التي قد كان سبيلها أن تصعد إلى عالمها فتجعل هاوية في حضيض الأرض ، وذلك عندهم هو العذاب والعقاب .