ابن أبي الحديد

310

شرح نهج البلاغة

ما ينكره عليه أيضا ، فإنه لا يجب عليه الانكار ، بل ولا يحسن منه لأنه مفسدة . وإن غلب على ظنه أنه لا يفعل ما أنكره عليه ولكنه يضر به ، نظر فإن كان إضراره به أعظم قبحا مما يتركه إذا أنكر عليه ، فإنه لا يحسن الانكار عليه ، لان الانكار عليه قد صار والحالة هذه مفسدة ، نحو أن ينكر الانسان على غيره شرب الخمر ، فيترك شربها ويقتله . وإن كان ما يتركه إذا أنكر عليه أعظم قبحا مما ينزل به من المضرة ، نحو أن يهم بالكفر ، فإذا أنكر عليه تركه وجرح المنكر عليه أو قتله فإنه لا يجب عليه الانكار ، ويحسن منه الانكار ، أما قولنا : لا يجب عليه الانكار ، فلان الله تعالى قد أباحنا التكلم بكلمة الكفر عند الاكراه ، فبأن يبيحنا ترك غيرنا أن يتلفظ بذلك عند الخوف على النفس أولى ، وأما قولنا ، إنه يحسن الانكار ، فلان في الانكار مع الظن لما ينزل بالنفس من المضرة اعزازا للدين ، كما أن في الامتناع من إظهار كلمة الكفر مع الصبر على قتل النفس إعزازا للدين ، لا فضل بينهما . فأما كيفية إنكار المنكر فهو أن يبتدئ بالسهل ، فإن نفع وألا ترقى إلى الصعب ، لان الغرض ألا يقع المنكر ، فإذا أمكن ألا يقع بالسهل فلا معنى لتكلف الصعب ، ولأنه تعالى أمر بالاصلاح قبل القتال في قوله : ( فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغى ( 1 ) . فأما الناهي عن المنكر من هو ؟ فهو كل مسلم تمكن منه واختص بشرائطه ، لان الله تعالى قال : ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ( 2 ) ، ولاجماع المسلمين على أن كل من شاهد غيره تاركا للصلاة غير محافظ عليها فله أن يأمره بها ، بل يجب عليه ، إلا إن الامام وخلفاءه أولى بالانكار بالقتال ، لأنه أعرف بسياسة الحرب وأشد استعدادا لآلاتها . *

--> ( 1 ) سورة الحجرات 9 . ( 2 ) سورة آل عمران 104 .