ابن أبي الحديد

309

شرح نهج البلاغة

نهيا عن حسن ، وكل فعل لا يأمن فاعله أن يكون مختصا بوجه قبيح فهو قبيح ، ألا ترى أنه يقبح من الانسان أن يخبر على القطع بأن زيدا في الدار إذا لم يأمن إلا يكون فيها ، لأنه لا يأمن أن يكون خبره كذبا ! ومنها أن يكون ما ينهى عنه واقعا : لان غير الواقع لا يحسن النهى عنه ، وإنما يحسن الذم عليه ، والنهى عن أمثاله . ومنها ألا يغلب على ظن المنكر إنه إن أنكر المنكر ، فعله المنكر عليه ، وضم إليه منكرا آخر ، ولو لم ينكر عليه لم يفعل المنكر الاخر ، فمتى غلب على ظنه ذلك قبح إنكاره ، لأنه يصير مفسده ، نحو أن يغلب على ظننا إنا إن أنكرنا على شارب الخمر شربها شربها وقرن إلى شربها القتل ، وإن لم ننكر عليه شربها ولم يقتل أحدا . ومنها ألا يغلب على ظن الناهي عن المنكر أن نهيه لا يؤثر ، فإن غلب على ظنه ذلك قبح نهيه عند من يقول من أصحابنا أن التكليف من المعلوم منه أن يكفر لا يحسن ، إلا أن يكون فيه لطف لغير ذلك المكلف . وأما من يقول من أصحابنا أن التكليف من المعلوم منه إنه يكفر حسن وإن لم يكن فيه لطف لغير المكلف ، فإنه لا يصح منه القول بقبح هذا الانكار . فأما شرائط وجوب النهى عن المنكر فأمور : منها أن يغلب على الظن وقوع المعصية نحو أن يضيق وقت صلاة الظهر ، ويرى الانسان لا يتهيأ للصلاة ، أو يراه تهيأ لشرب الخمر بإعداد آلته ، ومتى لم يكن كذلك حسن منا أن ندعوه إلى الصلاة ، وإن لم يجب علينا دعاؤه . ومنها ألا يغلب على ظن الناهي عن المنكر إنه إن أنكر المنكر لحقته في نفسه وأعضائه مضرة عظيمة ، فإن غلب ذلك على ظنه وإنه لا يمتنع من ينكر عليه من فعل