ابن أبي الحديد

291

شرح نهج البلاغة

وزار رابعة العدوية أصحابها ، فذكروا الدنيا فأقبلوا على ذمها ، فقالت : اسكتوا عن ذكرها وكفوا ، فلو لا موقعها في قلوبكم ما أكثرتم من ذكرها ، إن من أحب شيئا أكثر من ذكره . وقال مطرف بن الشخير : لا تنظروا إلى خفض عيش الملوك ، ولين رياشهم ، ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم ، وسوء منقلبهم ، قال الشاعر : أرى طالب الدنيا وإن طال عمره * ونال من الدنيا سرورا وأنعما كبان بنى بنيانه فأقامه * فلما استوى ما قد بناه تهدما . وقال أبو العتاهية : تعالى الله يا سلم بن عمرو * أذل الحرص أعناق الرجال هب الدنيا تساق إليك عفوا * أليس مصير ذلك إلى الزوال ! وما دنياك إلا مثل فئ * أظلك ثم آذن بانتقال . وقال بعضهم : الدنيا جيفة ، فمن أراد منها شيئا فليصبر على معاشرة الكلاب . وقال أبو أمامة الباهلي لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم : أتت إبليس جنوده وقالوا : قد بعث نبي وجدت ملة وأمة ، فقال : كيف حالهم ؟ أيحبون الدنيا ؟ قالوا : نعم قال : إن كانوا يحبونها فلا أبالي ألا يعبدوا الأصنام ، فإنما أغدو عليهم وأروح بثلاث : أخذ المال من غير حقه ، وإنفاقه في غير حقه ، وإمساكه عن حقه ، والشر كله لهذه الثلاث تبع . وكان مالك بن دينار يقول : اتقوا السحارة فإنها تسحر قلوب العلماء ، يعنى الدنيا .

--> ( 1 ) ديوانه 206