ابن أبي الحديد
292
شرح نهج البلاغة
وقال أبو سليمان الرازي : إذا كانت الآخرة في القلب جاءت الدنيا فزاحمتها ، وإذا كانت الدنيا في القلب لم تزاحمها الآخرة ، لان الآخرة كريمة ، والدنيا لئيمة . وقال مالك بن دينار : بقدر ما تحزن للدنيا يخرج هم الآخرة من قلبك ، وبقدر ما تحزن للآخرة يخرج هم الدنيا من قلبك . وهذا مقتبس من قول أمير المؤمنين عليه السلام : الدنيا والآخرة ضرتان ، فبقدر ما ترضى إحداهما تسخط ( 1 ) الأخرى . وقال الشاعر : يا خاطب الدنيا إلى نفسها * تنح عن خطبتها تسلم إن التي تخطب غدارة * قريبة العرس من المأتم . وقالوا لو وصفت الدنيا نفسها لما قالت أحسن من قول أبي نؤاس فيها : إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت له عن عدو في ثياب صديق ( 2 ) . ومن كلام الشافعي يعظ أخا له : يا أخي ، إن الدنيا دحض مزلة ( 3 ) ، ودار مذلة ، عمرانها إلى الخراب سائر ، وساكنها إلى القبور زائر ، شملها على الفرقة موقوف ، وغناها إلى الفقر مصروف ، الاكثار فيها إعسار ، والإعسار فيها يسار ، فافزع إلى الله ، وارض برزق الله ، ولا تستسلف من دار بقائك في دار فنائك ، فإن عيشك فئ زائل ، وجدار مائل . أكثر من عملك ، واقصر من أملك . وقال إبراهيم بن أدهم لرجل : أدرهم في المنام أحب إليك أم دينار في اليقظة ؟ فقال : دينار في اليقظة فقال : كذبت إن الذي تحبه في الدنيا فكأنك تحبه في المنام ، والذي تحبه في الآخرة فكأنك تحبه في اليقظة . وقال بعض الحكماء : من فرح قلبه بشئ من الدنيا فقد أخطأ الحكمة ، ومن
--> ( 1 ) ب ( تسقط ) . ( 2 ) ديوانه 192 . ( 3 ) الدحض : المكان الزلق .