ابن أبي الحديد

290

شرح نهج البلاغة

إذا أدبرت كانت على المرء حسرة * وإن أقبلت كانت كثيرا همومها . وقال بعض الحكماء : كانت الدنيا ولم أكن فيها ، وتذهب الدنيا ولا أكون فيها ، ولست أسكن إليها ، فإن عيشها نكد ، وصفوها كدر ، وأهلها منها على وجل ، إما بنعمة زائلة ، أو ببلية نازلة ، أو ميتة قاضية . وقال بعضهم : من عيب الدنيا إنها لا تعطى أحدا ما يستحق ، إما أن تزيد له ، وإما أن تنقص . وقال سفيان الثوري : اما ترون النعم كأنها مغضوب عليها ، قد وضعت في غير أهلها . وقال يحيى بن معاذ : الدنيا حانوت الشيطان ، فلا تسرق من حانوته شيئا ، فإنه يجئ في طلبك حتى يأخذك . وقال الفضيل : لو كانت الدنيا من ذهب يفنى والآخرة من خزف يبقى لكان ينبغي لنا أن نختار خزفا يبقى على ذهب يفنى ، فكيف وقد اخترنا خزفا يفنى على ذهب يبقى ! وقال بعضهم : ما أصبح أحد في الدنيا إلا وهو ضيف ، ولا شبهة في أن الضيف مرتحل ، وما أصبح ذو مال فيها إلا وماله عارية عنده ، ولا ريب أن العارية مردودة . ومثل هذا قول الشاعر وما المال والأهلون إلا وديعة * ولا بد يوما أن ترد الودائع ( 1 ) . وقيل لإبراهيم بن أدهم : كيف أنت ؟ فأنشد : نرقع دنيانا بتمزيق ديننا * فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع

--> ( 1 ) للبيد ، ديوانه 170 .