ابن أبي الحديد

289

شرح نهج البلاغة

وقيل في معناه : أرى رجالا بأدنى الدين قد قنعوا * ولا أراهم رضوا في العيش بالدون فاستغن بالدين عن دنيا الملوك كما * استغنى الملوك بدنياهم عن الدين . وفى الحديث المرفوع : ( لتأتينكم بعدي دنيا تأكل إيمانكم كما تأكل النار الحطب ) . وقال الحسن رحمه الله : أدركت أقواما كانت الدنيا عندهم وديعة فأدوها إلى من ائتمنهم عليها ، ثم ركضوا خفافا . وقال أيضا : من نافسك في دينك فنافسه ، ومن نافسك في دنياك فالقها في نحره . وقال الفضيل : طالت فكرتي في هذه الآية : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا * وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) ( 1 ) . ومن كلام بعض الحكماء : لن تصبح في شئ من الدنيا إلا وقد كان له أهل قبلك ويكون له أهل من بعدك ، وليس لك من الدنيا إلا عشاء ليلة ، وغداء يوم ، فلا تهلك نفسك في أكلة ، وصم عن الدنيا وأفطر على الآخرة ، فإن رأس مال الدنيا الهوى ، وربحها النار . وقيل لبعض الرهبان : كيف ترى الدهر ؟ قال : يخلق الأبدان ، ويجدد الآمال ، ويقرب المنية ، ويباعد الأمنية . قيل : فما حال أهله ؟ قال : من ظفر به تعب ، ومن فاته اكتأب . ومن هذا المعنى قول الشاعر ومن يحمد الدنيا لعيش يسره * فسوف لعمري عن قليل يلومها

--> ( 1 ) سورة الكهف 7 ، 8 .